محمد متولي الشعراوي

2927

تفسير الشعراوى

ولذلك قال الحق : « فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ » ، أي أنه كاره للإثم وإن ذهب إليه . ولذلك يباح للمضطر على قدر دفع الضرورة . لدرجة أن رجال الشريعة قالوا : إن على الإنسان المضطر ألا يأكل من الميتة أو ما في حكمها بالقدر الذي يشبع ، بل يأخذ أقل الطعام الذي يمسك عليه رمقه ويبقى حياته فقط . فإذا كان يسير في الصحراء فعليه ألا يأخذ من الميتة أو ما في حكمها إلّا قدرا يسيرا لأنه لا يجد شيئا يتقوت به . إذن فمعنى اضطر في مخمصة شرط أن يكون غير متجانف لإثم ، أي لا يكون مائلا إلى الإثم فرحا به ، فعليه ألا يأخذ إلا على قدر الضرورة . وما دام على قدر الضرورة فهو لن يحمل معه من هذه الأشياء المحرمة إلا ما يقيم أوده ويمسك روحه . والمضطر هو من فقد الأسباب البشرية . وسبحانه وتعالى قد بسط أسبابه في الكون ومد بها يديه إلى خلقه ، وأمر الأسباب : استجيبى لهم مؤمنين كانوا أو كافرين ، فالذي يزرع ويحسن الزراعة والري والبذر والحرث فاللّه يعطيه ، والذي يتقن عمله كتاجر تتسع تجارته وتزيد أرباحه . مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها ( من الآية 20 سورة الشورى ) إن عطاء الأسباب هو عطاء الربوبية . والمضطر هو من فقد أسبابه . ولذلك فالحق يجيب المضطر إذا دعاه . وقد يقول قائل : إنني أدعو اللّه ولا يجيبني . ونقول : إنك غير مضطر لأنك تدعو - على سبيل المثال - بأن تسكن في قصر بدلا من الشقة التي تسكنها ، وأنت تدعو بأن يعطيك اللّه سيارة فارهة وأنت تملك وسيلة مواصلات عادية . فالمضطر - إذن - هو الذي فقد الأسباب ومقومات الحياة . أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ( من الآية 62 سورة النمل ) وقد ضربنا من قبل المثل - وللّه المثل الأعلى - بتاجر يستورد بضائع تصله من الخارج في صناديق ثقيلة . تحملها السيارات الضخمة ، ويقوم أحد العمال أمامه بحمل صندوق ضخم ، فغلب الصندوق العامل . وهنا يقفز التاجر ليسند العامل .