محمد متولي الشعراوي
2910
تفسير الشعراوى
والذي يأمر بتطبيق « افعل » ويحزم الأمر مع « لا تفعل » وينهى عنه ويجرّم من يفعله هو متعاون على البر والتقوى . ومن يعمل ضد ذلك ؛ يتعاون على الإثم والعدوان ؛ لأنه ينقل الأفعال من دائرة « افعل » إلى دائرة « لا تفعل » . وينقل النواهي من « لا تفعل » إلى دائرة « افعل » ؛ هذا هو التعاون على الإثم . وقوله الحق : « وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ » ضمن عمارة الكون وضمن منع الفساد في الكون . فالذي يرتشى والذي يسهل عملية الرشوة ، وهو الوسيط والسفير بين الراشي والمرتشى ويسمّى الرائش والذي يحمل الخمر والذي يدلس ، كل هؤلاء متعاونون على الإثم والعدوان ، حتى البواب الذي يجلس على باب عمارة ويعلم أن بها شقة تدار لأعمال مشبوهة ويأخذ ثمن ذلك هو متعاون على الإثم . نقول لكل هؤلاء : إياكم أن تفتنوا بما يدره عليكم فعل الإثم ؛ لكن لننظر مصير كل منكم فلن يترك اللّه أمثالكم دون أن ينهى الواحد منهم حياته بمأساة ، حتى المرأة التي استنزفت الناس بجمالها ، تنتهى حياتها بالضنك من العيش ثم لا تجد مأوى إلا القلوب الرحيمة التي لم تفتتن بهذا الجمال ولم تتمتع به في الحرام ؛ لأن الرجل إن نظر إلى امرأة أعانته على الإثم سيتذكر كل المصائب التي جاءته منها فيكرهها . لقد أراد الحق بهذا عدالة في الكون ليستقيم ، وكل من يأخذ شيئا من إثم يكتوى بنار هذا الإثم في الحياة ، وكل فرد فيكم مطالب بعمل حصر وإحصاء للمال الذي جاءه من عرقه وحلاله ويكتبه ، والقرش الذي جاءه من حرام . وبعد ذلك يقوم بعمل حصر وإحصاء للكوارث التي أصابته . وكم كلفته من مصاريف . إنه لو فعل ذلك لوجد أن الكوارث تأخذ كل الحرام وتجور على المال الذي كسبه من حلال . ولا تختلف هذه المسألة أبدا ولا يتركها اللّه للآخرة ؛ فسبحانه يريد أن يعدل نظام الكون ، وإلا كيف يشهد من لا يؤمن بيوم الحساب قدرة اللّه على إجراء التوازن في كونه ؟ إن الحق أراد الحساب في الدنيا حتى لا يعربد من لا يؤمن بيوم الحساب في كون اللّه .