محمد متولي الشعراوي

2911

تفسير الشعراوى

إن كل معربد سوف يرى مصير معربد سبقه . كذلك الذين يتمتعون بثمرات الإثم في هذه الدنيا يجب أن يفطنوا إلى نفوسهم قبل أن يفوتهم الأوان ، المعذور فقط هم الأطفال الذين لا نضج لهم ولا دراية ؛ لأنهم يعيشون من أموال الإثم . لكن ما إن يبلغ الولد الرشد وكذلك البنت ثم ترى مالا يتدفق عليها من مصادر غير حل ، عليها أن تستحى من شراء « فستان » من هذا المال أو أن تأكل منه لقمة خبز ، وليفطن الإنسان أن اللّه قد أباح للإنسان أن يسأل عن مصدر المال حتى لا يأخذ لنفسه من المال الموبوء الخبيث . وأن يسأل الإنسان الصدقة خير من أن يصرف على نفسه مالا موبوءا . ولن يترك الحق مثل هذا الإنسان سائلا أبدا . وليكتب كل واحد منكم هذا القول الكريم أمامه : « وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ » . وليجعلها ميزانا يزن بها صور الذين يراهم في الكون ؛ حتى ولو كانت صورة سائق التاكسى الذي يدلس على رجل وامرأة في طريق مظلم ويأخذ أجرا على هذا ، ليحسب هذا الرجل النقود التي ستأتي من هذا الباب ، وليحسب النقود التي ستخرج على ألم فيه ، أو ألم فيمن يرعى من ولد أو بنت . « وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ » وصور العدوان شتى يعاني منها المجتمع وتهزه بعنف ، عدوان على الوقت لأن الإنسان يأخذ أجرا على العمل ولا يقوم به ، وعدوان يضرّ به إنسانا بأن يأخذ حقه أو أن يرتشى ، كل ذلك عدوان . وحتى يصير المجتمع مجتمعا إيمانيا سليما لا بد أن يحافظ على قضية الاستخلاف في الأرض ، وأن يعلم أن هذا يقتضى عمارة الكون وعدم الإفساد فيه . « وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » فكأن هذه المخالفات السابقة التي تحدث هي نتيجة عدم التعاون على البر ، ونتيجة التعاون على الإثم والعدوان ، ولهذه المخالفة عقاب شديد ، أما التقوى فمعناها أن نفعل ما أمر به اللّه أن نفعله ، وأن ننتهى عما نهى اللّه عنه ، فلا ننقل فعلا من دائرة « لا تفعل » إلى دائرة « افعل » وكذلك العكس . وبذلك نجعل بيننا وبين الجبار وقاية . وبعض السطحيين قد ينظر إلى بعض من آيات القرآن ويقول : إن بها تناقضا ؛ فيقولون : بعض من آيات القرآن تقول : « اتَّقُوا النَّارَ » ، وبعض الآيات تقول :