محمد متولي الشعراوي

2900

تفسير الشعراوى

وهذا الأمر بعدم الحل لشعائر اللّه جعل كل شعيرة تأخذ حقا من التقدير والاحترام ، ولا يظنن ظان أن شعيرة من الشعائر ستأخذ لذاتها تقديسا ذاتيا ، بل كله تقديس موهوب من اللّه ويسلبه اللّه . « لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ » أي لا تحلوا الشهر الحرام ، أي عليكم أن تحرموا هذا الشهر الحرام ، فقد جعله اللّه شهرا حراما لمصلحة الإنسان ، ويحمى به سبحانه عزة وذلة الإنسان أمام عدوه ، يحمى انكسار نفس الضعيف أمام القوى . فالقوىّ القادر على القتال قد تهفو نفسه إلى أن يتوقف عن الحرب فترة يلتقط فيها الأنفاس ، ولو فعل ذلك لكان إعلانا للتخاذل أمام الخصم ، ولذلك يأتي الحق بزمان يقول فيه : أنا حرمت الحرب في الأشهر الحرم . هنا يقول المقاتل : لقد حرم اللّه القتال في الأشهر الحرم ، وتلك حماية للإنسان ، وليذوق لذة الأمن والسّلام والطمأنينة ؛ فقد يعشق الإنسان القوى السّلام من بعد ذلك . لماذا إذن جاء الحق هنا بالشهر الحرام بينما نحن نعرف أن الأشهر الحرم أربعة ؟ إن نظرنا إلى الأشهر الحرم كجنس فهي تطلق على كل شهر من الشهور الأربعة ، وإذا اعتبرنا الشهر الحرام أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ، فالمعنى صحيح ونعرف أن الأشهر الحرم أربعة ، ثلاثة متصلة ، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد منفصل هو رجب ، وسبحانه وتعالى يعلم أن كل فعل من الأفعال لا بد له من زمان ولا بد له من مكان . فحين لا يوجد حدث ، لا يوجد زمان ولامكان ، ولم يأت الزمان والمكان إلا بعد أن أحدث اللّه في كونه شيئا . ولا يقولن واحد : متى كان اللّه ولا أين كان اللّه ؛ لأن « متى » و « أين » من مخلوقات اللّه . وجعل سبحانه لكل حدث زمانا ومكانا . ولذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليحمى عزة الناس وليجعل لهم من تشريعه الرحيم ستارا يستتر فيه ضعيفهم ، ويراجع فيه قويّهم لعله يرعوى ويرجع عن غيّه وظلمه فأوجد أماكن محرمة ، وأزمنة محرمة ، والأماكن المحرمة هي التي عند الحرم : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ( من الآية 97 سورة آل عمران ) حيث يؤمّن الإنسان أخاه الإنسان إذا ما دخل الحرم . وكذلك في الزمان جعل سبحانه الأشهر الحرم .