محمد متولي الشعراوي
2901
تفسير الشعراوى
لقد أخذ الحق الحدث للزمان والمكان . وكان القوى قديما يحارب ويقترب من النصر . وعندما يهل الشهر الحرام يستمر في الحرب ، ثم يعلن أن الشهر الحرام هو الذي سيأتي بعد الحرب ، ولذلك يأمر سبحانه بعدم تغيير زمان الشهر الحرام ؛ لأن اللّه يريد بالشهر الحرام أن ينهى سعار الحرب . وبعد ذلك يقول الحق : « وَلَا الْهَدْيَ » والهدى هو ما يهدى إلى الحرم ؛ وهو جمع هدية ، وهناك من يقدم للكعبة هدية ، ومجموع الهدايا تسمى هديا . وهدى الحرم إنما جعله اللّه للحرم ؛ فالحرم قديما كان بواد غير ذي زرع ، ولم تكن به حيوانات كثيرة . وكانوا يأتون بالهدى معهم عندما يحجون ، لذلك حرم اللّه الاقتراب من الهدى لأنها هدايا إلى الحرم . والحجيج أفواج كثيرة ، وعندما يأتي أناس كثيرون في واد غير ذي زرع يحتاجون إلى الطعام ، ولا يصح أن يجعل المؤمن الهدى لغير ما أهدى إليه ، فقد يشتاق إنسان صحب معه الهدى إلى أكل اللحم وهو في الطريق إلى الكعبة فيذبحه ليأكل منه ؛ وهذا الفعل حرام ؛ لأن الهدى إنما جاء إلى الحرم ويجب أن يهدى ويقدم إلى الحرم . وعلى الإنسان أن يصون هدى غيره أيضا . « وَلَا الْقَلائِدَ » وهي جمع « قلادة » والقلادة هي ما تعلق بالرقبة . وقديما كان الذاهب إلى الحج يخاف على الهدى أن يشرد منه ؛ لذلك كانوا يضعون حول عنق الهدى قلادة حتى يعرف من يراه أنه « هدى » ذاهب إلى الحرم . والهدى الأول هو الهدى العام الذي لا قلائد حول عنقه ، والقلائد تعبر عن الهدى الذي توجد حول رقابه قلائد وتدل عليه وتكون علامة على أنه مهدى إلى الحرم ، وقد يكون النهى هنا حتى عن استحلال القلادة التي حول رقبة الهدى حتى لا تضيع الحكمة . والحق سبحانه وتعالى حين يعبر بعبارة ما فهو يعبر بعبارة تؤدى المعنى ببلاغة . وكانوا قديما عندما لا يجدون قلادة يأخذون لحاء الشجر وقشره ويقطعون منه قطعة ويربطونها حول رقبة الهدى ، وذلك حتى يعرف الناس أن هذا هدى ذاهب إلى الحرم . ويضمن سبحانه اقتيات الوافد إليه . لا من القوت العادي ولكن يطعمه من اللحم أيضا ، ويجعل ذلك من ضمن المناسك . أليس هو من دعا هؤلاء الناس إلى الحج ؟ أليس هؤلاء هم ضيوف الرحمن ؟ ! إن الإنسان منا يقوم بذبح الذبائح لضيوفه ، فما بالنا بالحق الأعلى سبحانه