محمد متولي الشعراوي
2896
تفسير الشعراوى
آمنوا به ، وما دام المؤمن قد آمن باللّه إلها فليتجه إلى ما يريده اللّه من أحكام ليفعلها لكن عمومية الآية قد تجعل واحدا يعزل عجز الآية عن صدرها ، رغبة في التشكيك في الإسلام ، فيقول : إن اللّه يقول إنه يحكم ما يريد ، وقد أراد من الناس من يؤمن ومن لا يؤمن ، فكيف يقول : « يَحْكُمُ ما يُرِيدُ » ، بينما لا يؤمن الكل ؟ . ونقول : لا تعزل عجز الآية عن صدرها ؛ لأن اللّه إنما يخاطب في هذه الآية من آمن به ربا ، ومن آمن بالإله يعمد ويقصد ويتجه إلى ما يريده اللّه من حكم ليطبقه . ولا يعتقدن أحد أنّ الكافرين خارجون عن إرادته سبحانه في قوله : « إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ » فالذي تمرد على حكم اللّه يقتضيه المنطق أن يظل متمردا على حكم الإله . لكن المتمرد على حكم اللّه التكليفي الشرعي لا يجرؤ ولا يملك أن يكون منطقيا مع نفسه ، فإن حكم اللّه عليه بالضعف . فليقل للضعف : لا ، أنا لن أضعف وأنا قوى . لا أحد يملك من مثل هذا الأمر شيئا . المتمرد يأخذه ملك الموت وهو غير مريض ، فماذا إذن يصنع تمرد المتمرد إزاء الموت ؟ إذن هناك أمور يخضع فيها الإنسان - كل إنسان - لحكم اللّه . وخضوع الإنسان لحكم اللّه في بعض الأمور أقوى من خضوع المؤمن لها ؛ لأن المؤمن حين آمن باللّه يستقبل الموت - على سبيل المثال - كحكم من اللّه ، أما المتمرد الذي لا يصلى ولا يؤدى أي أمر تكليفي ، ويتعرض للأغيار بما فيها الموت ، فهو يعاني من كل ذلك مشقّة وحدّة تفوق حدة استقبال المؤمن للأغيار أو الموت . إذن فقوله الحق : « إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ » هو قضية عامة ؛ لأن الذي تمرد على حكمه سبحانه فيما له فيه اختيار ، كان من الواجب أن يكون منطقيا مع نفسه ، فيتمرد على حكم يجريه اللّه عليه ، وذلك بعكس كثير من الأحكام الوضعية فإنها لا تقوى على هذا التمرد ، ويكون هنا حكم اللّه أقوى ؛ لأن المتمرد لن يجرؤ على الرد على أمر اللّه . فلا يظنن ظان أن اللّه جعل للاختيار في العبد طلاقة ، لكنه جعل للاختيار في العبد تقييدا ، وللقدرة القادرة طلاقة ، فإن تمرد متمرد على الإيمان ؛ فلن يجرؤ على التمرد في أشياء أخرى . إذن فاللّه يحكم ما يريد .