محمد متولي الشعراوي
2895
تفسير الشعراوى
وبذلك يؤدب الحق سبحانه وتعالى خلقه ويجعلهم على ذكر دائم للمنهج فيأتي لهم في مكان ويقول لهم : الصيد محرم في هذا المكان ، والطعام والشراب محرم في هذا الزمان ؛ كصوم رمضان . وعدة الشهور عندنا كمسلمين اثنا عشر شهرا . أربعة منها حرم . ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب . وفي الميقات يحرم الصيد على الحاج فقط ، وهذا انضباط إيماني . وعندما يأتي الإنسان إلى الميقات فهو يحرم ، أي يغير وضعه ويلبس لباسا خاصا بالحج ، يلبسه كل الناس ليكون الكل سواسية ؛ لأن الناس إنما يتميزون بهندامهم وهيئاتهم ، فيأمر سبحانه أن يطرح الإنسان هذا التمايز من فور الإحرام . وما كان من الحلال أن يفعله المسلم قبل الميقات وقد منعه الإسلام منه لا يجرؤ على أن يفعله بعد الميقات والإحرام . ويستطيع المسلم قبل الميقات أن يحلق ويتطيب ويصطاد ويقطع من النبات ؛ لكنه ما إن يبدأ الإحرام يمتنع عن ذلك حتى يستعد لما يشحن أعماقه بالوجود مع المنعم لا مع النعمة ، هذا هو التهيؤ للدخول إلى بيت المنعم ، ولذلك يضع المسلم النعمة على جانب ليبقى مع المنعم . ويمنع الإنسان أن يصيد في الحرم محرما كان أو غير محرم ليشعر الكل أن الحرم للّه فقط . وتستعد كل النفوس للقاء المهابة . ويمتنع الإنسان من أول الميقات عن أشياء كثيرة بداية من الصيد والاستمتاع بالحقوق الزوجية ؛ ثم يدخل منطقة يحرم فيها الصيد على كل الناس كرمز للمهابة . ويحج المسلم في حياته مرة واحد كأداء للفريضة ؛ وفي كل مرة تحج وتقصد بيت ربّك يوضح اللّه لك فيها : لا تنشغل بالنعم لأنك ذاهب إلى المنعم ، ويمحو سبحانه بالحج كل الذنوب . « غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ » فإن أردناها محرمين فهي صحيحة ، وإن أردناها للحرم فهي صحيحة ؛ لأن الصيد محرم في منطقة الحرم للحاج أو لغيره . ويذيل الحق الآية : « إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ » وسبحانه بدأ الآية بقوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » هكذا نرى أن التذييل منطقي يتفق فيه آخر الآية مع صدرها ؛ لأن اللّه حين يخاطب المؤمنين الذين آمنوا به ، فمن لوازم الإيمان أن ينفذوا حكم اللّه الذي