محمد متولي الشعراوي
2883
تفسير الشعراوى
نستقبل الآن سورة المائدة التي تلى سورة النساء في الترتيب المصحفى . ونعلم أن القرآن له ترتيبان ؛ ترتيب نزول ، وترتيب مصحف . وربما يحلو لبعض الناس الذين يحاولون أن يأخذوا على الإسلام شيئا أن يقولوا : لماذا لم يرتب القرآن حسب نزوله بحيث يبدأ بأول آية نزلت منه ، وينتهى بآخر آية نزلت فيه ؟ ونقول : نزل القرآن لا كتاب منهج فقط ، لكنه منهج ومعجزة ، ورسالته صلى اللّه عليه وسلم جامعة لجميع الأمم في جميع العصور إلى أن تقوم الساعة ؛ لأنها جامعة ومانعة فلن يأتي بعد الرسول رسول ؛ لذلك ينفرد صلّى اللّه عليه وسلّم بمعجزة تبقى بقاء رسالته إلى أن تقوم الساعة ، وبمنهج يغطى كل أقضية الحياة إلى أن تقوم الساعة . وكان الرسل يرسلون إلى أمم مخصوصة في أمكنة مخصوصة لزمان مخصوص ؛ لأن العالم كان في شبه انعزال لعدم وجود الآلات التي تيسر الالتقاء بين الناس ، وشاء اللّه سبحانه أن يختم الرسالات برسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لتكون على موعد مع رشد العقل البشرى في أن يجعل العالم كله وحدة بحيث إن ظهر داء في الشرق فهو ينتقل إلى الغرب في الوقت نفسه ولذلك يجب أن يكون العلاج والمعالج واحدا . أما رسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم فقد انفرد بمعجزة تبقى ، وتظل موجودة مع المنهج ، ليستطيع كل متبع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول : منهج الإسلام هو القرآن ومعجزة نبي الإسلام هي القرآن ، لكن لو جاءت المعجزة على طبيعة وطريقة ونمط المعجزات السابقة لإخوانه السابقين من الرسل لانتهت بانتهاء زمانها بحيث تصبح خبرا وتاريخا ، ونحن نعلم أن البحر قد انشق لموسى نعرفه خبرا ولكن لم نشهده مشهدا ، ونعرف أن عيسى عليه السّلام أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن اللّه ، ولكننا لا نرى ذلك الآن إلا خبرا ، ولولا أننا نؤمن بالقرآن ، وهو الذي قصّ علينا مثل هذه الأمور ربما كنا نتوقف فيها . والذين يقولون إن الإعجاز كان للبلاغة والفصاحة وللمنطق وللبيان وأمة العرب أمة بيان نقول : لقد فاقت هذه المعجزة ما كان لدى العرب من بلاغة وفصاحة وأعجزهم وأفحمهم القرآن ، وعندما نقلنا المنهج إلى الإنجليز أو الفرنسيين أو الألمان أو إلى الإيطاليين أو إلى أية أمة من العالم ظل المنهج على إعجازه .