محمد متولي الشعراوي
2884
تفسير الشعراوى
وهكذا نرى أن اللّه قد أراد أن يكون في القرآن جانب يظل معجزا لكل الأقوام ، وهي المعجزات التي لا تختلف فيها اللغات ولا تختلف فيها الأمم ، وهي المعجزات العقلية ، بمعنى أن يخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أمته الأمية ، وهو الأمى لم يعرف له نشاط في علم ولا نشاط في ثقافة ؛ ويأتي بأشياء تتحقق بعد مضى القرون ويعترف بها الذين لا يؤمنون بأنه جاء بها من عند اللّه . لقد حاول بعضهم أن يرفعوا محمدا إلى مرتبة الألوهية ؛ ذلك أنه قال بأشياء منذ أربعة عشر قرنا وتتحقق الآن ، لا يقولها إلا عالم بما يكون في كونه ، ولكنهم عرفوا أن رسول اللّه أقرّ ببشريته . وينزل بالمنهج مواكبا للأحداث ، وينزل بالمعجزة في مسألة الكونيات التي تشترك فيها كل الأمم والتي لا تختص بلغة دون لغة . نزل المنهج ليحكم العالم من أمة أمية ، لم ترق إلى وضع وسنّ قانون أو دستور ولم تتعود على ذلك . فقد كانت أمة من الرّحل وسكان الصحراء لم يجمعها قانون واحد ، بل كان لكل قبيلة قانون ، ولكل بطن قانون ، ولكل أسرة في كل بطن قانون . وجاء الرسول مبعوثا من عند اللّه إلى الأمة الأمية لينشىء لها منهجا يغطى كل أقضية الحياة إلى أن تقوم الساعة . وإذا ما فزع قوم من قضية من قضايا مجتمعهم لا يجدون حلا لها إلا حلّا لو نظرنا نحن إليه لوجدنا أنه إما أن يتطابق مع ما جاء به الإسلام ، وإمّا أنه لا يخرج عن إطار الإسلام وأحكامه . وإذا كان القرآن في الأحكام قد جاء حسب الأحداث التي وقعت ، فهذا من إرادة الحق للخير بمن نزل فيهم القرآن . ونجد في القرآن أسئلة سيتعرض لها رسول اللّه ، وكثرة الأسئلة التي تعرض لها رسول اللّه تعتبر من الظواهر الصحية في الإيمان ؛ لأن الذين سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن بيان أحكام بأشياء . أرادوا - كما قلنا - إقامة حياتهم على ضوء المنهج الذي عشقوه ، ولم يكونوا كبنى إسرائيل الذين قال رسول اللّه في شأنهم : ( إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شدّدوا شدّد اللّه عليهم ، وأيم اللّه لو أنهم لم يستثنوا لما بيّنت لهم آخر الأبد ) « 1 » .
--> ( 1 ) - تفسير الإمام ابن كثير .