محمد متولي الشعراوي

2855

تفسير الشعراوى

من أن تصل إلى آذان الناس ، فيقولوا ما رواه الحق عنهم : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( من الآية 26 سورة فصلت ) ولو فهموا معنى هذه الآية لما قالوا ما جاء فيها ، فقولهم : « لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ » أي اصنعوا ضجة تشوّش على سماع القرآن ، وهم قد علموا أن هذا القرآن عندما يصل إلى الأسماع فإنه يبلغ الهداية ، ولو كان القرآن غير مؤثر لما قالوا ذلك ، إذن هم يعترفون بأنهم يغلبون عندما يصل صوت القرآن إلى آذان البشر المدعوين إلى الهداية . « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً » . كان يكفى أن يقول الحق « قَدْ ضَلُّوا » ، لكنه جاء بالمصدر التأكيدى « قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً » أي إنه الضلال بعينه ، وهو فوق ذلك ضلال بعيد . وعندما ننظر في كلمة « بعيد » ، نعرف أن الشئ البعيد هو الذي بينه وبين مصدره مسافة زمنية طويلة . والذي يضل قصارى ضلاله أن ينتهى بانتهاء حياته ، لكن الذي يعمل على إضلال غيره فهو يجعل الضلال يمتد ، أي أن الضلال سيأخذ في هذه الحالة زمنا أكبر من حياة المضل ، ويتوالى الضلال عن المضلين أجيالا ، وهكذا يصبح الضلال ممتدا . والضلال المعروف في الماديات البشرية هو - على سبيل المثال - أن يسير الإنسان إلى طريق فيضل إلى طريق آخر . وقصارى ما يضل فيه هو أن يذهب إلى مفازة - أي صحراء - ولا يجد ماء ولا طعاما فيموت . لكن الضال المضل يجعل ضلاله يأخذ زمن الدنيا والآخرة وبذلك يكون ضلاله ممتدا . ومن بعد ذلك يقول الحق : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 168 إلى 169 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 168 ) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 169 )