محمد متولي الشعراوي
2856
تفسير الشعراوى
والحديث هنا يبدأ عن الكفر والظلم « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا » . والكفر هو ستر الوجود الأعلى ، والظلم معناه أنهم عاشوا بمنهج بشرى لا يؤدى لهم متاعا ولا سعادة في حياتهم الدنيا ، وبذلك يكونون قد ظلموا أنفسهم . ومن بعد ذلك يقودهم هذا المنهج إلى عذاب الآخرة . والذي كفر ستر وجود اللّه وحرم نفسه بستر الوجود الأعلى من المنهج الذي يأتي به اللّه إنه بذلك قد ضل ضلالا بعيدا . وسبحانه القائل : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( من الآية 123 سورة طه ) وهناك آية أخرى يقول فيها الحق : فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( من الآية 38 سورة البقرة ) والذي يأخذ بهوى نفسه وبمنهج البشر فإن له معيشة ضنكا ضيقة شديدة . ولا يظنن ظان أن الذي يأخذ ويتناول الأمور بهواه قد أخذ انطلاقا بلا حدود وراحة لا نهاية لها ، لا ؛ لأن الذي يفعل ذلك قد يرتاح مرة لكنه يقابل التعب ويعيش فيه ولا ينفك عنه من بعد ذلك ، وهكذا يظلم نفسه . وقد يقول قائل : لقد ظلموا أنفسهم ، ومعنى ذلك أنه لا بد من وجود ظالم ومظلوم . فمن هو الظالم ومن هو المظلوم ؟ . كل واحد منهم الظالم . وكل واحد منهم المظلوم ؛ لأن الإنسان مركب من ملكات متعددة ، ملكة شهوات تريد أن تنطلق إلى الشهوات ، وملكة قيم تريد أن يحفظ الإنسان نفسه ويسير على صراط القيم المستقيم . وفي حالة من يكفر ولا يتبع منهج اللّه إنما يترك الفرصة لملكة الشهوات أن تظلم