محمد متولي الشعراوي
2848
تفسير الشعراوى
للخوض في أمر لم يخبرنا اللّه عن كيفيته ، والأدب مع اللّه يقتضى ذلك . قال تعالى : « وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » . وإن القرآن لم يثبت بأية طريقة من طرق الوحي إلا بإرسال رسول ، فكل وحى القرآن جاء بواسطة جبريل ، فلم تأت آية بالنفخ في الرّوع . إنما جاء بالنفخ في الروع الحديث القدسي ؛ لأن النفخ في الروع قد يتصور واحد أنه خاطر من الجن أو أمثال ذلك . وجاءت كل الآيات القرآنية بواسطة جبريل ؛ بمقدمات بدنية ، ويحدث تغير كيماوى في نفس رسول اللّه فلا يشك أبدا في أنه جبريل . وأراد الحق أن يكون الوحي بالقرآن بطريقة لا شك فيها . وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يسمع صوتا كصلصلة الجرس ؛ وبعد ذلك يتفصد جبين الرسول عرقا ، ويثقل جسم رسول اللّه حتى إن كان على دابة فهي تئط وتئن ويثقل عليها وتكاد أن يمس بطنها الأرض . وإن كان رسول اللّه يلاصق فخذه فخذ أحد الصحابة ، فيكاد أن يرض فخذ الصحابي ، وتلك علامات مادية كونية ، لا يمكن أن يحدث فيها لبس . ولقد قالوا من قبل استنادا إلى ظاهر قوله : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى ( 134 ) ( سورة طه ) لو لم يرسل الحق الرسول لكان لهم حجة . ونقول للعلماء : لنفهم هذه المسألة حتى نوضح لكم أنكم تختلفون في أمر كان يجب عليكم ألا تختلفوا فيه . أبالعقل يعلم الإنسان مطلوب اللّه منه ؟ أم أن العقل يهديني إلى وجود قوة أعلى خلقت هذا الكون وتدبره ؟ . وما اسم هذه القوة ؟ . وما مطلوب هذه القوة ؟ . أيعرف العقل ثواب من يتبع المنهج وعقاب من يخرج عن المنهج ؟ . كل هذه أمور لا يعرفها العقل ، فالعقل حجة في الإيمان بقوة عليا فوق ذلك الكون وهي التي خلقته وتدبره وتديره ، أما الرسول فهو مبلغ بمطلوبات المنهج واسم القوة التي أرسلت والشرائع التي يجب أن يسير على هداها الإنسان ، إذن فليس هناك خلاف بين الرأيين .