محمد متولي الشعراوي

2833

تفسير الشعراوى

ويحرمون أنفسهم من أمانة النقل . ولذلك يأتي الحق ليوضح لنا أن القص الخاص بالرسل وبغيرهم في القرآن قصص واقعي ، حقيقي ، حدث فعلا . وكلمة « القصص » مأخوذة من قص الأثر أي أن نسير مع القدم كما تذهب ، فلا نذهب هنا ولا نذهب هناك . وحكايات الأنبياء في القرآن واقعية . ومن رواية الحق لا من رواية الخلق ، وثمة فارق بين ما يرويه الحق لخلقه ليسيروا على المنهج . وما يرويه الخلق بعضهم لبعض للتسلية أو غير ذلك . ونجد روايات الخلق تزدحم في بعض الأحيان بخيال البشر ، مثل روايات جورجى زيدان عن الإسلام والأنبياء ، وعندما سألوه لماذا أضاف من عنده إلى الواقع ، أجاب الإجابة التقليدية : فعلت ذلك من أجل الحبكة القصصية . ويجب أن نميز ونفرق بين روايات الخلق وقصص الحق ونضعه في بؤرة الشعور حتى لا يدخل أحد من خياله على قصص القرآن ما ليس فيه ، وحتى لا يأتي واحد ذات يوم ويقول : إن كل القصص واحد . فنحن في القرآن لسنا أمام مؤلف ، بل أمام الخالق الأعلى الذي يروى لنا ما يعلمنا . وسبحانه علم أزلا ما سيدور في كونه ، لذلك قال : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ( 3 ) ( سورة يوسف ) وسبحانه قد قص على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في القرآن أحسن القصص ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سيعالج أجناس العالم التي توزعت على جميع الرسل من إخوانه ، وما دام عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سيكون مع كل الأجناس البشرية الذين تفرقوا من قبل على الرسل من إخوانه ، فلا بد أن يوضح سبحانه للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ولأمته من بعده : أنّه حدث مع الرسول فلان كذا ، وكان مبعوثا إلى قوم كان موقفهم منه كذا ، وكانت داءات ذلك المجتمع هي كذا وكذا . ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم - كما نعلم - موكول إليه علاج كل أجناس البشر وكذلك أمته من بعده ، ولا بد أن يعرفوا أخبار كلّ المجتمعات والرسل : ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ) .