محمد متولي الشعراوي
2817
تفسير الشعراوى
وحين أوجد الحق خلقه من عدم ، جعل لخلق من خلقه إيجادا ؛ ولكن هناك فرق بين إيجاد المادة ، وإيجاد ما يتركب من المادة فقد خلق سبحانه كل شئ من عدم ، ولكن جعل لخلقه أن يخلقوا أشياء لكن ليست من عدم . وما ضنّ سبحانه وتعالى عليهم بأن يذكرهم بلفظ الخلق فقال : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( من الآية 14 سورة المؤمنون ) فكأنه سبحانه وتعالى جعل من خلقه خالقين ، لكن الخالقين من خلقه لم يخلقوا من عدم محض ، وإنما كونّوا مركّبا من موجود في مواده . فأخذوا من مواد خلقها اللّه فركّبوا وأوجدوا . والإنسان الذي صنع كوب الماء لم ينشئ الكوب من عدم محض وإن كانت « الكلية » في الكوب غير موجودة فجزئيات إيجاد الكوب موجودة ، فالرمل موجود في بيئات متعددة ، وموجود أيضا ما يصهر الرمل ، والعقل الذي يأخذ تلك العناصر ، والفكر الذي يصنع من الرمل عجينة ، ومصمم الآلات التي تصنع هذا الكوب موجود . إذن فقد أوجد الإنسان كوبا من جزئيات موجودة . فالفارق - إذن - بين خلق اللّه وخلق اللّه ؛ أن اللّه خلق من عدم محض ، لذلك وصف ذاته بقوله : ( فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) . فأنتم أيها البشر إنما تخلقون من مخلوقات اللّه ولم تخلقوا من غير مخلوق للّه ؛ فهو سبحانه وتعالى أحسن الخالقين . وكما أنصف الحق خلقه بأن نسب لهم خلقا ، فلا بد من أن يصف نفسه بأنه أحسن الخالقين . وأيضا إن خلق الخلق - كما قلنا وأنا لا أزال أكررها لتستقر ثابتة في الأذهان - يجمد الشئ على ما أوجدوه عليه ، فيخلقون الكوب ليظل كوبا في حجمه وشكله ولونه ، ولكنهم لم يخلقوا كوبا ذكرا وكوبا أنثى ليجتمعا معا وينشئا أكوابا صغيرة تنمو وتكبر ، ولكن اللّه ينفخ بسرّ الحياة في كل شئ فيوجده ، لذلك هو أحسن الخالقين . ولو نظرت إلى كل شئ في الوجود لوجدت فيه سر الذات الفاعلة ، فلو نظرت إلى ذات نفسك ، لوجدت لك وسائل إدراك ، لوجدت لك سمعا ، ولوجدت لك عينا ، ولوجدت لك أنفا ولمسا وذوقا ، ولكن لبعض الآلات تحكم في اختيارك ، فأنت حين تفتح عينيك ترى وإن لم ترد أن ترد تغمض عينيك . ولكن إذا أردت