محمد متولي الشعراوي
2818
تفسير الشعراوى
ألا تسمع ، أتستطيع أن تجعل في أذنك آلة تقول « لا أسمع » ؟ وأنت تفتح فمك لتأكل وتتذوق ، ولكن أنت لا تفتح أنفك لتشم . أنت تمد يدك لتلمس . وقل لي باللّه أي انفعال لك أن أردت أن تضحك ؟ ما الآلة التي في بدنك تحركها لتضحك ؟ أنت لا تعرف شيئا إلا سببا مثيرا يضحك ، لكنك لا تعرف ما هي الآلات التي تعمل في جسمك لتضحك . وكذلك حينما تبكى ما هي الآلات التي تعمل في ذاتك لتجعلك باكيا ؟ أنت لا تعرف . ولذلك جعل اللّه الإضحاك والإبكاء مع الإيجاد بالحياة ، والعدم بالموت جعل ذلك له سبحانه وتعالى . وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 44 ) ( سورة النجم ) جعل الحق في ذاتك الإنسانية أشياء تفعل ولكنك لا تعرف بأي شئ تفعل ولا بأي شئ تنفعل . والأذن ليس لها ما يسدها عن السمع ؛ لذلك لا يأمرك الحق بألا تسمع أي شئ ، ولكن الأثر الصالح يأمر : ( لا تتسمّع إلى القيلة ) . لم يقل الأثر الصالح « لا تسمع إلى قيلة » لأن الإنسان لا يستطيع أن يصم أذنيه عما يدور حوله ، لكنه يستطيع ألا يتسمّع بألّا يلقى بأذنيه إلى ما يقال . إذن فقد جعل الحق التكليف في مقدور اختيارات المسلم ولذلك قال : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ( من الآية 68 سورة الأنعام ) واستخدم هنا كلمة « رأيت » لأن المسلم لا يملك شيئا يسد به أذنيه حتى لا يسمع حديث الذين يخوضون في آيات اللّه ، لكن أمر اللّه الذين يسمعون ذلك أن يسيروا بعيدا معرضين عن هؤلاء الخائضين . وسبحانه يوضح لنا ما خفى عنا ، وكل شئ في الكون وإن كان ظاهره أنه « يفعل » ، لكنه في الحقيقة هو مقهور لما ينفعل لمرادات اللّه بأمر اللّه . ولذلك يقول العارفون باللّه : من جميل إحسانه إليك أن فعل ونسب إليك . فسبحانه وتعالى الذي يفعل كل شئ ، وليس على الإنسان إلا توجيه الآلة