محمد متولي الشعراوي
2761
تفسير الشعراوى
وذلك حتى لا يستشرى المعتدى أيضا ، فهناك إنسان إذا تركناه مرة ومرة . يستشرى ، لكن إذا ما أوقفناه عند حده فهو يسكت ، وبذلك نرحم المجتمع من استشراء الفساد . ويصعب الحق المسألة في رد الاعتداء . ويثور سؤال : من القادر على تحقيق المثلية بعدالة ؟ . ونجد على سبيل المثال إنسانا ضرب إنسانا آخر صفعة على الوجه ، فبأية قوة دفع قد ضرب ؟ وفي أي مكان ضرب ؟ ولذلك نجد أن رد العدوان على درجة المثلية المتساوية أمر صعب . وما دام المأمور به أن أعتدى بمثل ما اعتدى به على ؛ ولن أستطيع تحقيق المثلية ، ولربما زاد الأمر على المثلية ؛ وبعد أن كنت المعتدى عليه صرت المعتدى ، بذلك يكون العفو أقرب وأسلم . والعمليات الشعورية التي تنتاب الإنسان في التفاعلات المتقابلة يكون لها مواجيد في النفس تدفع إلى النزوع . والعملية النزوعية هي رد الفعل لما تدركه ، فإن آذاك إنسان وأتعبك واعتدى عليك فأنت تبذل جهدا لتكظم الغيظ ، أي أن تحبس الغيظ على شدة . فالغيظ يكون موجودا ، ولكن المطلوب أن يمنع الإنسان الحركة النزوعية فقط . وعلى المغتاظ أن يمنع نفسه من النزوع ، وإن بقي الغيظ في القلب . وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ ( من الآية 134 سورة آل عمران ) هذه مرحلة أولى تتبعها مرحلة ثانية هي : وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ( من الآية 134 سورة آل عمران ) فإذا كان المطلوب في المرحلة الأولى منع العمل النزوعى ، فالأرقى من ذلك أن تعفو ، والعفو هو أن تخرج المسألة التي تغيظك من قلبك . وإن كنت تطلب مرحلة أرقى في كظم الغيظ والعفو فأحسن إليه ؛ لأن من يرتكب الأعمال المخالفة هو المريض إيمانيا . وعندما ترى مريضا في بدنه فأنت تعاونه وتساعده وإن كان عدوا لك . وتتناسى عدواته ؛ فما بالنا بالمصاب في قيمه ؟ إنه يحتاج منا إلى كظم الغيظ ، أو العفو كدرجة أرقى ، أو الاحسان إليه كمرحلة أكثر علوا في الارتقاء .