محمد متولي الشعراوي
2762
تفسير الشعراوى
إذن فالحق سبحانه وتعالى يبيح أن تعتدى بالمثل ، ثم يفسح المجال لنكظم الغيظ فلا نعتدى ولكن يظل السبب في القلب ، ثم يرتقى بنا مرحلة أخرى إلى العفو وأن نخرج المسألة من قلوبنا ، ثم يترقى ارتقاء آخر ، فيقول سبحانه : ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) ، ومن فينا غير راغب في حب اللّه ؟ وهكذا نرى أن الدين الإسلامي يأمر بأن يحسن المؤمن إلى من أساء إليه . وقد يتساءل إنسان : كيف تطلب منى أن أحسن إلى من أساء إلى ؟ والرد : أنت وهو لستما بمعزل عن القيوم ؛ فهو قيوم ولا تأخذه سنة ولا نوم ، وكل شئ مرئى له وكلاكما صنعة اللّه ، وعندما يرى اللّه واحدا من صنعته يعتدى عليك أو يسئ إليك فسبحانه يكون معك ويجيرك ، ويقف إلى جانبك لأنك المعتدى عليه . إذن فالإساءة من الآخر تجعل الحق سبحانه في جانبك ، وتكون تلك الإساءة في جوهرها هدية لك . وعندما نفلسف كل المسائل نجد أن الذي عفا قد أخذ أكثر مما لو كان قد انتقم وثأر لنفسه ؛ لأنه إن انتقم سيفعل ذلك بقدرته المحدودة ، وحين يعفو فهو يجعل المسألة للّه وقدرته سبحانه غير محدودة ، إن أراد أن يرد عليه ، وبعطاء غير محدود إن أراد أن يرضى المعتدى عليه . هذا هو الحق سبحانه وتعالى عندما يلجأ إليه المظلوم العافي المحسن . وهو السميع العليم بكل شئ . ويقول الحق من بعد ذلك : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 149 ] إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 ) لقد عرفنا أن الحق لا يسمح لك بالجهر بالسوء من القول إلا إذا كنت مظلوما . وهذا يعنى أن المسألة تحتمل الجهر وتحتمل الإخفاء ، فقال : « إِنْ تُبْدُوا خَيْراً » أي إن تظهر الخير ، أو تخفى ذلك ، أو تعفو عن السوء . وكل هذه الأمور من ظاهر وخفى من الأغيار البشرية ، لكن شيئا لا يخفى على اللّه . ولا يمكن أن يكون للعفو مزية