محمد متولي الشعراوي
2758
تفسير الشعراوى
تكلمت بقالات السوء ، فسيكون شكل المجتمع غريبا ، وتتردد فيه قالات سوء في آذان السوء ، فكأن الحق سبحانه يوضح : إياكم أن تنطق ألسنتكم بأشياء لا يحبها اللّه ، فليست المسألة أن يريح الإنسان نفسه فقط بنطق كلمة ، ولكن نطق هذه الكلمة سيرهق أجيالا ؛ لأن من يسمع الكلمة الرديئة سيرددها ، وسيسمعها غيره فيرددها ، وتتوالى القدوة السيئة . ويتحمل الوزر الإنسان الذي نطق بكلمة السوء أولا . وقالات السوء هذه قد تكون بالحق وقد تكون بالباطل ، فإن كانت في الحق مثلا فلن نستطيع أن نقول : إن كل الناس أهل سوء . وقد يبتدئ إنسان آخر بسباب ، ويجوز أن يدعى إنسان على آخر سبابا . إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمى الآذان الإيمانية من ألسنة السوء ، لذلك يقول : « لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ » ومقابلها بالطبع هو : أن اللّه يحب الجهر بالحسن من القول . وساعة يحبك الحق المجتمع هذه الحبكة الإيمانية ، أيعالج ملكة على حساب ملكة أخرى ؟ . لا . ونعلم أن النفس فيها حب الانتقام وحب الدفاع عن النفس وحب الثأر وما يروح به عن نفسه ويخفف ما يجده من الغيظ . والمثل العربي يقول : « من استغضب ولم يغضب فهو حمار » ؛ لأن الذي يستغضب ولا يغضب يكون ناقص التكوين ، فهل معنى ذلك أن اللّه يمنع الناس من قول كلمة سوء ينفث بها الإنسان عن صدره ويريح بها نفسه ؟ لا ، لكنه - سبحانه - يضع شرطا لكلمة السوء هو : « إِلَّا مَنْ ظُلِمَ » ؛ لأن الظلم هو أخذ حق من إنسان لغيره . وكل إنسان حريص على نفسه وعلى حقوقه . فإن وقع ظلم على إنسان فملكات نفسه تغضب وتفور ، فإما أن ينفث بما يقول عن نفسه ، وإما أن يكبت ويكتم ذلك . فإن قال اللّه : « لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ » واكتفى بذلك ، لكان كبتا للنفس البشرية . وعملية الكبت هذه وإن كانت طاعة لأمر اللّه لأنه لا يحب الجهر بالسوء من القول ، ولكن قد ينفلت الكبت عند الانفعال ، وينفجر ؛ لذلك يضع الحق الشرط وهو وقوع ظلم . فيوضح سبحانه : أنا لا أحب الجهر بالسوء من القول ، وأسمح به في حدوده المنفثة عن غيظ القلوب ؛ لأنى لا أحب أن أصلح ملكة على حساب ملكة أخرى . ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول :