محمد متولي الشعراوي

2759

تفسير الشعراوى

« إن الغضب جمرة توقد في القلب ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا فإن كان قائما فليجلس ، وإن كان جالسا فلينم فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد أو يغتسل فإن النار لا يطفئها إلا الماء » « 1 » . أي أن يتحرك الإنسان من فور إحساسه بالغضب ؛ فيغير من وضعه أو يقوم إلى الصلاة بعد أن يتوضأ أو يغتسل ؛ لأنه بذلك ينفث تنفيثا حركيا ليخفف من ضغط المواجيد على النفس الفاعلة ؛ تماما كما يفك إنسان صماما عن آلة بها بخار ليخرج بعض البخار . إذن فمن وقع عليه ظلم له أن يجهر بالسوء . والجهر له فائدتان : الأولى : أن ينفث الإنسان عن نفسه فلا يكبت ، وثانيا : أنه أشاع وأعلن أن : هذا إنسان ظالم ، وبذلك يحتاط الناس في تعاملهم معه . وحتى لا يخدع إنسان نفسه ويظن أنه بمنجاة عن سيئاته ، فلو ستر كل إنسان الظلم الذي وقع عليه لا ستشرى الظلم في عمل السيئات . ولكن إياك أن تتوسع أيها العبد في فهم معنى كلمة « ظلم » هذه ؛ لأن الذي ينالك ممن ظلمك إما فعل وإما قول . وعليك أيها المسلم أن تقيس الأمر بمقياس دقيق على قدر ما وقع عليك من ظلم . فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ( من الآية 194 سورة البقرة ) إذن فالحق سبحانه وتعالى لا يعطينا في الاستثناء إلا على قدر الضرورة . ويوضح : إياكم أن تزيدوا على هذه الضرورة ، فإن كان ظلمكم بقول فأنا السميع . وإن كان ظلمكم بفعل فأنا العليم ، فلا يتزيد واحد عن حدود اللياقة . وبذلك يضع الحق الضوابط الإيمانية والنفسية فأزاح الكبت وفي الوقت نفسه لم يقفل باب الطموح الإيمانى . لقد سمح للعبد أن يجهر إن وقع عليه ظلم . لكن إن امتلك الإنسان الطموح الإيمانى فيمكنه ألا يجهر وأن يعفو . إذن فهناك فارق بين أمر يضعه الحق في يد الإنسان ، وأمر يلزمه به قسرا وإكراها عليه ؛ فمن ناحية الجهر ، جعل سبحانه المسألة في يد الإنسان ، ويحب سبحانه أن يعفو الإنسان ؛ لأن المبادئ

--> ( 1 ) رواه البيهقي في الشعب ، والترمذي من حديث أبي سعيد دون قوله ( توقد ) . ورواه أحمد وأبو داود .