محمد متولي الشعراوي
2729
تفسير الشعراوى
سماعا بأنهم يخوضون في دين اللّه ؛ فقد يخوض أهل الشرك أو غيرهم من أعداء الإسلام بما يرى ، وقد يخوضون بما يسمع ، وقد يخوض بعض المشركين بالغمز أو اللمز من فور رؤيتهم لمسلم . وقوله الحق : « فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ » يوحى أنهم إذا ما خاضوا في حديث غير الخوض في آيات اللّه فليقعد المؤمنون معهم . وكان ذلك في صدر الإسلام ، والمؤمنون لهم مصالح مشتركة مع المشركين وأهل الكتاب ، ولا يستطيع المجتمع الإسلامي آنئذ أن يتميز بوحدته ، فلو قال لهم الحق على لسان رسوله : لا تقعدوا مع الكافرين أو المشركين فورا . لكان في ذلك قطع لمصالح المؤمنين . وكلمة « يخوضون » تعطى معنى واضحا مجسما ؛ لأن الأصل في الخوض أن تدخل في مائع . . أي سائل ، مثل الخوض في المياه أو الطين ، والقصد في الدخول في سائل أو مائع هو إيجاد منفذ إلى غاية . وساعة تخوض في مائع فالمائع لا ينفصل حتى يصير جزءا هنا وجزءا هناك ويفسح لك طريقا ، بل مجرد أن يمشى الإنسان ويترك المائع يختلط المائع مرة أخرى ، ولذلك يستحيل أن تصنع في المائع طريقا لك . أما إذا دخل الإنسان في طريق رملىّ فهو يزيح الرمال أولا ويفسح لنفسه طريقا . ولا تعود الرمال إلى سدّ الطريق إلا بفعل فاعل ، وأخذوا من هذا المعنى وصف الأمر الباطل بأنه خوض ؛ ذلك أن الباطل لا هدف له وهو مختلط ومرتبك ، والجدال في الباطل لا ينتهى إلى نتيجة . إذن « الخوض » هو الدخول في باطل ، أو الدخول إلى ما لا ينتهى الكلام فيه إلى غاية . ويقرر العلماء : لا تخوضوا في مسألة الصفات العلية ؛ لأنه لا يصح الخوض فيها ، والكلام فيها لن ينتهى إلى غاية . ولذلك يقول الحق في موقع آخر بالقرآن الكريم : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ