محمد متولي الشعراوي
2718
تفسير الشعراوى
ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقر بأن هذا الأمر ليس فيه شئ من عنده بل هو مأمور بالبلاغ عن اللّه ربّه . وفي عصرنا قال برناردشو : إن الذين يكذبون أن محمدا رسول من عند اللّه يريدون أن يجعلوه إلها ، فمن أين أتى بهذه الأشياء التي لم تكن معلومة في عصره ؟ . . إن الناس جميعا مطالبون بالتصديق بمحمد رسولا من عند اللّه ؛ لأنه قال عن أشياء لا يمكن أن يقولها واحد من البشر . والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بذاته يوضح بحسم هذا الكلام ويبيّن أن هذا ليس من عندي ، لكنه من عند اللّه . « قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » . وهذا كشف محرج ومنطقي لما في قلوبهم ؛ لهذا قال السامعون للآية : الحمد للّه أن هناك أملا في أن يدخل الإيمان قلوبنا . وقد دخل الإيمان في قلوبهم بالفعل لأن كلمة ( لمّا ) تفيد نفى الإيمان عنهم في الزمن الماضي ولكنها تفيد أيضا توقع وحصول الإيمان منهم وقد حصل . « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً » أي ماتوا على الكفر ، أو آمنوا بموسى ، ثم كفروا بعيسى ، وجاء أناس آخرون آمنوا بعيسى ، وازدادوا كفرا بعدم الإيمان بمحمد ، فليس من بعد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم استدراك . ويخبرنا سبحانه بمصيرهم : « لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا » لأنهم دخلوا في الإيمان مرة ثم خرجوا من الإيمان . ومعنى سلوكهم أنهم قصدوا الفتنة لأن الآخرين سيشاهدونهم وقد آمنوا ، وسيشاهدونهم وهم يكفرون ، وسيعللون ذلك بأنهم عندما تعمقوا في المسائل العقدية كفروا وهم يفعلون ذلك ليهوّنوا من شأن الإسلام ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 72 ) ( سورة آل عمران )