محمد متولي الشعراوي

2719

تفسير الشعراوى

هم إذن يقصدون الفتنة بإظهار الإيمان ثم إعلانهم الكفر وفي ذلك تشكيك للمسلمين ، ويكون مصير من تردّد بين الإيمان والكفر ، وكان عاقبة أمرهم أنهم ازدادوا كفرا يكون مصيرهم ما جاء في قوله : « لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا » فهم قد دخلوا في الخيانة العظمى الإيمانية التي يحكمها قوله الحق : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ( من الآية 48 سورة النساء ) ويقول الحق عنهم هنا : « لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا » . والهداية - كما نعلم - ترد بمعان متعددة . . فقد يكون المقصود منها الدلالة ، فإن شئت تدخل الإيمان وإن شئت لا ، ولا شأن لأحد بك . والمعنى الثاني هو المعونة ، أي يقدم لك اللّه ما يهديك بالفعل . وعندما تعرض القرآن لهذه المسألة قال : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) ( سورة فصلت ) فسبحانه هنا قد دلهم على الهداية ، ولم يقدم لهم الهداية الفعلية لأنهم استحبوا العمى على الهدى ، فكأن اللّه قد دل على المنهج الذي يوصل الخير والبر لكل الناس ، فمن أقبل بإيمان فالحق يمده بهداية المعونة ويعاونه على ازدياد الهدى ، مصداقا لقوله : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً ( من الآية 13 سورة الكهف ) ولا نريد لهذا المثل أن يغيب عن الأذهان ؛ لذلك أؤكده دائما : شرطي المرور الواقف في بداية الطريق الصحراوى . يسأله سائل : ذاهب إلى الإسكندرية عن الطريق ؛ فيدله على الطريق الموصل للإسكندرية ، هنا قام الشرطي بالدلالة ، ثم شكر الرجل الشرطىّ وحمد اللّه على حسن شرح الشرطي ؛ ويحس ويشعر رجل المرور بالسعادة ، ويحذر الرجل المسافر من عقبات الطريق ، ويركب معه ليشير له على تلك العقبات حتى يتفاداها . أي أنه من بعد الدلالة قد حدثت المعونة . كذلك الحق يدل الناس على الإيمان وعلى المنهج ، فالذي يؤمن به يساعده ويخفف عليه