محمد متولي الشعراوي
2710
تفسير الشعراوى
الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ » . وحين يشهد الإنسان على نفسه فلن يكون أبوه أو أمه أو أحد أقاربه أعز منه . ثم يدخل بنا الحق إلى أن استحثاثات مخالفة العدالة تدخل فيها الأهواء ، وحين يرجح إنسان الباطل غير الواقع على حق واقع ، فالمرجح هو هوى النفس ، ومنشأ الهوى أن يكون المشهود عليه غنيا فيخاف الإنسان أن يشهد عليه ، فيمنعه من خير ما . ولذلك حدد الحق قوامة المؤمنين بالقسط والشهادة للّه ولو على النفس أو الأب أو الأم أو الأقارب ، ولا يصح أن يضع أحد من المؤمنين ثراء أو فقر المشهود له أو عليه في البال ، بل يجب أن يكون البال مع اللّه فقط ؛ لذلك قال : « إن يكن غنيا أو فقيرا فاللّه أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا » . وقد يقول قائل : إن الهوى قد ينحاز إلى الغنىّ طمعا في ثرائه ؛ فلماذا يذكر اللّه الفقير أيضا ؟ ونقول : قد ينحاز الهوى إلى الفقير رحمة بالفقير فيحدّث الشاهد نفسه « أنه فقير ويستحق الرحمة » ؛ لذلك يحذرنا الحق من الانحياز إلى الغنى أو إلى الفقير . ولا دخل للشهادة بثراء الثرى أو بفقر الفقير ؛ لأن العبد المؤمن ليس أولى أو أحق برعاية مصالح الناس من خالقهم - جل شأنه - ولذلك جاء بالحيثية الملجمة « فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا » أي أنك أيها العبد لم تخلق أحدا منهما ولكن اللّه خالق الاثنين وهو أولى بهما فليس لك أن تقيم شهادتك على الثراء أو على الفقر لأنك لست القيّم على الوجود . والذي يفسد ويشوش على العدل هو الهوى ، والمثل العربي يقول : « آفة الرأي الهوى » . وإياكم أيها المؤمنون واتباع الهوى حتى لا تفسد قدرتكم على العدل وتجنحوا بعيدا عنه . والتاريخ العربي يحتفظ لنا في ذاكرته حكاية رجل فاضل ذهب إلى الخليفة وقال له : أعفني من القضاء ! فقال الخليفة : فمن يكون للقضاء إذن وأنت العادل الذي شهد له كل الناس بذلك ؟