محمد متولي الشعراوي

2711

تفسير الشعراوى

فقال القاضي : واللّه يا أمير المؤمنين لقد عرف الناس عنى أنى أحب الرّطب - أي البلح - وبينما أنا في بيتي وإذا بالخادم قد دخل ومعه طبق من رطب وكنا في بواكير الرطب ، ومن الطبيعي أن تكون النفس في لهفة عليه ما دامت تحبه ، ويتابع القاضي حكايته للخليفة : فقلت للخدام من جاء به ؟ فأجاب الخادم : إنه واحد صفته كذا وكذا فتذكرت أن من أرسل الرطب هو واحد من المتقاضين أمامى ، فرددت عليه الرطب ، ولما كان يوم الفصل في قضية صاحب الرطب ، دخل الرجل علىّ فعرفته فواللّه يا أمير المؤمنين ما استويا في نظري هو وخصمه على الرغم من أنى رددت الطبق . وهكذا استقال القاضي العربي المسلم من منصب القضاء . ويتابع الحق سبحانه : « وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً » . أن تلووا في الشهادة واللىّ هو التحريف . . أي تحرفوا الشهادة وتغيروها ، فإن اللّه بما تعملون خبير ، أو أن يعرض الشخص عن أداء الشهادة لأنه يخاف من المشهود عليه ؛ لذلك يقال : إنه خائف من المشهود عليه ؛ لأن الشهادة ترجح حكم المشهود له ؛ لهذا فهو يعرض عن الشهادة ، وإن جاء للشهادة فهو يلف الكلمات ويلوى لسانه بها ؛ لذلك يقول الحق : « وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً » . إذن فالذي يفسد العدل هو الهوى ، والهوى عمل القلب ؛ لذلك نحتاج إلى خبرة الخبير اللطيف . فعلينا أن نعلم أن النيات عمل القلوب ، وبذلك صار العمل ينقسم الآن أمامنا إلى ثلاثة أقسام : قول لسان ، وفعل بجوارح غير اللسان ، ونيات قلوب وهوى . ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 136 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 136 )