محمد متولي الشعراوي

2692

تفسير الشعراوى

إن الحق سبحانه وتعالى حينما يخلق ميول القلوب يضع أيضا القاعدة : إياك أيها المؤمن أن تعدى ميل القلب إلى القالب ، وليكن ميل القلب كما تحب . كذلك إن أنت أيها المؤمن تزوجت وبعد ذلك تزوجت امرأة أخرى فالمنهج لا يطلب منك أن تعدل العدل المطلق الذي ينصب على شئ لا تملكه وهو ميل قلبك . ولكن المنهج يضع لك القواعد التي يسير عليها سلوك قالبك . وعليك أن تعدل في قسمة الزمن والنفقة والكسوة وبشاشة الوجه وحسن الحديث . ولا تخضع ذلك لميل القلب ، وبعد ذلك أنت وقلبك أحرار . ونرى بعضا من الذين يحبون أن يظهروا بين الناس كفاهمين للقرآن أو دعاة تجديد ، يركبون الموجة ضد التعدد . ونقول : قبل أن يركب الواحد منكم الموجة ضد التعدد ، ويقف منه موقف الرافض له مدعيا أنه يفهم النص القرآني ، إنّنا نقول له : عليك أن تبحث عن أسباب السخط على التعدد ، هي ليست من التعدد في ذاته ، ولكنها تأتى من أن المسلم يأخذ إباحة اللّه للتعدد . ولا يأخذ حكم اللّه في العدالة . فلو أن المسلم أخذ بالعدالة مع التعدد لما وجدنا مثل هذه الأزمة . ولذلك يقول الواحد من هؤلاء : إن الحق سبحانه وتعالى أمر بلزوم واحدة والاقتصار عليها عند خوف ترك العدل في التعدد فقال : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ( من الآية 3 سورة النساء ) ثم جاء في آية أخرى وقال : « وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ » . ونقول : إن الواحد منكم إن أراد أن يفهم القرآن ، فعليه أن يعلم أن الحق سبحانه لم يقف في هذه الآية عند قوله : ( وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) إنما فرع على عدم الاستطاعة في العدل فقال : « فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ » إنه - سبحانه - فرع على عدم الاستطاعة في العدل فأمر بعدم الميل كل الميل . وتلك حكمة المشرع الأول الذي يعلم من خلق وكيف خلق . ولو أن الحق لم يفرّع على « وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا » لجاز لهؤلاء الذين يركبون الموجة المطالبة بعدم التعدد أن يقولوا ما يقولون ؛ لذلك نقول لهم : انتبهوا إلى أن الحق سبحانه أوضح : عدم استطاعتكم للعدل هو أمر أنا أعلمه ، ولذلك أطلب منكم ألا تميلوا كل الميل وذلك باستطاعتكم . ومعنى هذا أنه سبحانه قد أبقى الحكم ولم يسلبه .