محمد متولي الشعراوي
1307
تفسير الشعراوى
أيها الكافرون إلى الهزيمة برغم كثرة عدتكم وعددكم . فالعبرة هي حدث ينقلك من شئ إلى شئ مغاير ، كالظالم الذي نرى فيه يوما ، ونقول : إن ذلك عبرة لنا ، أي إنها نقلتنا من رؤيته في الطغيان إلى رؤيته في المهانة . وهكذا تكون العبرة هي العظة اللافتة والناقلة من حكم إلى حكم قد يستغربه الذهن ، فتذييل هذه الآية الكريمة بهذا المعنى هو إيضاح وبيان كامل ، فالحق يقول في بداية هذه الآية : « قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا » . وتنتهى الآية بقوله : « إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ » . إذن فالعبرة شئ ينقلنا من أمر إلى أمر قد تستغربه الأسباب وذلك إن كنت متروكا لسياسة نفسك ، لكن المؤمن ليس متروكا لسياسة نفسه ؛ لأن اللّه لو أراد أن يعذب الكفار بدون مواجهة المؤمنين وحربهم لعذبهم بدون ذلك ، ولكن اللّه يريد أن يكون عذاب الكافرين بأيدي المؤمنين : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) ( سورة التوبة ) ولو كان اللّه يريد أن يعذب الكافرين بغير أيدي المؤمنين لأحدث ظاهرة في الكون تعذبهم ، كزلزال يحدث ويدمرهم ، ولكن اللّه يريد أن يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين . « وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ » ، و « الأيد » هو القوة ، إذن فهو يريد منك فقط النواة العملية ، ثم بعد ذلك يكملها اللّه بالنصر ، « وأيّده » أي قواه ، ويؤيد اللّه بنصره من يشاء ، وتكون العبرة لأولى الأبصار . وقد يقول قائل : أتكون العبرة لأولى الأبصار أم لأولى البصائر ؟ وهنا نقول : إن العبرة هنا لأولى الأبصار ؛ لأن الأمر الذي تتحدث عنه الآية هو أمر مشهدي ، أمر محسوس ، فمن له عينان عليه أن يبصر بهما ، فإذا كان التفكير والتدبر ليس أمرا موهوبا لكل مخلوق من البشر ، فإن البصر موجود للغالبية من الناس ، وكل منهم