محمد متولي الشعراوي

1308

تفسير الشعراوى

يستطيع أن يفتح عينيه ليرى هذا الأمر المشهدي . وإذا مّا نظرنا إلى المعركة بذاتها وجدنا الدليل الكامل على صدق العبارة ؛ فالمؤمنون قلة وعددهم معروف محدود ، وعتادهم قليل ، ولم يخرجوا بقصد حرب ، إنما خرجوا لقصد الاستيلاء على العير المحملة بالأرزاق من طعام وكسوة تعويضا عما اغتصبه المشركون من أموالهم في مكة ، ولو أنّهم استولوا على العير فقط لما كان النصر عظيما بالدرجة التي كان عليها ؛ لأن العير عادة لا تسير بعتاد ضخم إنما تحفظ بالحراسة فقط . ولكن اللّه يريد لهم النصر على ذات الشوكة ، أي الطائفة القوية المسلحة ، لقد وعدهم اللّه بالنصر على إحدى الطائفتين : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) ( سورة الأنفال ) لقد كان وعد اللّه أن ينصر المؤمنين على إحدى الطائفتين ، والأمل البشرى كان يود الانتصار على الطائفة غير ذات الشوكة أي الطائفة غير المسلحة وهي العير ، ولكن مثل هذا النصر لا يكون له دوىّ النصر على الطائفة المسلحة ، فقد كان من السهل أن يقال : إن محمدا ومن معه تعرضوا لجماعة من التجار لا أسلحة معهم ولا جيش ، ولكن اللّه يريد أن يجعل من هذه المعركة فرقانا وأن يحق الحق . إنكم أيها المؤمنون لم تخرجوا إلّا لقصد العير أي لم يكن استعدادكم كافيا للقتال ، أما الكفار فقد جاءوا بالنفير ، أي بكل قوتهم فقد ألقت مكة في هذه المعركة بأفلاذ أكبادها . وعندما يأتي النصر من اللّه للمؤمن في مثل هذه الموقعة فهو نصر حقيقي ، ويكون آية غاية في العجب من آيات اللّه . وتصير عبرة للغير . لذلك نجد العجائب في هذه المعركة - معركة بدر - . الغرائب أنك تجد الأخوين يكون لكل منهما موقف ومجابهة . وتجد الأب والابن لكل منهما موقف ومجابهة برغم عمق الصلة بينهما ، فمثلا ابن أبي بكر رضى اللّه عنه ، وكان هذا الابن لم يسلم بعد ، وكان في جانب الكفار ، وأبوه الصديق مع رسول اللّه