محمد متولي الشعراوي
1367
تفسير الشعراوى
أن نسلم وجهنا لمن خلق . إذن فقول الحق : « فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ » أي انتبهوا أيها الناس ، إنني لم أخرج عن دائرة الإيمان بالإله الواحد ، الذي تؤمنون به . إنه هو الذي خلق وهو الذي أوجد الكون . وبعد ذلك إذا كان في الإسلام خضوع ، فإن الحق يأتي بأشرف شئ في الإنسان ليجعله مظهر الخضوع . لأن الوجه هو السمة العالية المميزة ، وهو الذي يظهر عليه انفعالات الأحداث في الكون من سرور أو حزن ، ويظهر عليه أنك قد تكون قد سجدت وأنت كاره للسجود ، أو سجدت وأنت مقرب للّه سبحانه وتعالى فيمتلىء الوجه بالبشر والبشاشة . وقول الحق : « أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ » . تعنى أن الوجه المسلم للّه وهو أشرف شئ في الإنسان قد خضع للحق ، وكأن القول الكريم لم ينسب الخضوع للبدن ولكن لأشرف شئ في الإنسان وهو الوجه ، والوجه يطلق مرة ويراد به الذات كلها ، فعندما يقول إنسان : « أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ » فهو يعنى « أسلمت ذاتي » بكل ما أوتيت الذات من جوارح ومن أعضاء . ولنقرأ قول الحق سبحانه : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( من الآية 88 من سورة القصص ) أي كل شئ هالك إلا ذاته سبحانه وتعالى ، هذا هو المقصود ب « إِلَّا وَجْهَهُ » وإلا إن أخذنا الوجه على أنه الوجه فقط فقد يقول قائل : أليس للّه يد مثلا ؟ ونقول : إن له يدا في نطاق ليس كمثله شئ ، ولذلك فلا يد اللّه تهلك ولا أي شئ فيه يهلك ، ووجهه يعنى ذاته في نطاق ليس كمثله شئ . وأطلق الوجه على الذات ، لأن الوجه هو المشخص للذات ، فلا يستطيع أحد أن يميز أعضاء بدن عن أعضاء بدن ، إنما التمييز يأتي بسمة الوجه ، لأنها السمة المميزة ، وقول الحق في تلقينه لرسول اللّه : « فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ » . تدل على أن الرسول قد أسلم وجهه للّه ؛ لأن اللّه خاطبه بوساطة الوحي ، والوحي يباشره صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن حين يقول : « وَمَنِ اتَّبَعَنِ » فقد قام الدليل لمن اتبعني ، وإن لم يكن مخاطبا من اللّه مباشرة .