محمد متولي الشعراوي
1365
تفسير الشعراوى
وهب أن اللّه لم يبتل مثل هذا الإنسان ببلاء كبير في الدنيا فإن هذا الإنسان سيكون له الحساب العسير في الآخرة . وقد يقول قائل : إن الحساب في الدنيا قد يؤجله اللّه إلى الآخرة ، والعلامات الصغرى للقيامة نحن في مراحلها ، وما زالت العلامات الكبرى ليوم القيامة لم تظهر . لمثل هذا القائل نقول : هناك فرق بين الحدث في ذاته ، وبين الحدث فيمن يجرى عليه الحدث . هناك فرق بين أن تقوم القيامة على الناس جميعا ، وبين أن تختصر حياة الإنسان بحادثة ليست في حسبانه ، فقد يفتى الإنسان فتوى اليوم ، وتأتى له حادثة فورية تنقله فجأة إلى سريع الحساب ، فإن استبطأ إنسان الحساب ، فعليه أن يعرف أن الآخرة قد تجىء له أسرع من مسائل الدنيا ؛ لأن الإنسان لا يملك القدرة على إطالة عمره ، ومفتاح العمر عند الخالق الأكرم ، وهو الذي يملك القدرة على أن ينقل إليه من يريد في أي وقت . وهكذا تكون الآخرة بالنسبة للمستبطىء للحساب أسرع من حساب الدنيا ، وكلمة « حساب » كلمة تطمئن المؤمن إلى أن اللّه قائم بالقسط لا يتخلى حتى عمن كفر به أو عصاه ، إن كل إنسان يأخذ ماله ويدفع ما عليه ، ويقول الحق من بعد ذلك : فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 ) « فَإِنْ حَاجُّوكَ » هذا القول يدل على أن الحق سبحانه وتعالى يلقى منهجه على الرسول الخاتم ، ويعطيه الواقع الذي يحيا فيه ، لقد جابه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ثلاثة معسكرات . المعسكر الأول : هم مشركو قريش ، وكان كفرهم في القمة . والمعسكر الثاني : هو معسكر اليهود والنصارى ويجمعهم معا لأنهم أهل كتاب . والمعسكر الثالث : هو معسكر المنافقين . والمحاجّة قد أتت من المعسكر