محمد متولي الشعراوي
1364
تفسير الشعراوى
فيقول صلّى اللّه عليه وسلّم : ( البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون ) « 1 » . إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يحذرنا ليوضح لنا أن أهل البغى لهم لجاج في أن يقولوا ويصدروا الفتاوى ، وما معنى الإفتاء الذي يحذرنا منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ هل هو مجرد رأى ؟ أم هو رأى يأتي من إنسان معروف عنه أنه مشتغل بعلم اللّه وبالأحكام ؟ إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ينبهنا إلى ذلك مناعة لنا . فقد يصبح أصحاب الحق قلة ، وليس لهم نصيب في إيصال رأيهم للناس ، أو أن الذين يملكون الكلمة الإعلامية ليسوا مع أصحاب الحق بل في جانب رجل يساير الباطل أو الركب . وهنا نرى أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد أعطانا المناعة حتى لا ييأس المتمسكون بالحق ، فأمر الدين لن يمر رخاء ، أو بسلام دائم ، بل سنجد قوما يفسرون أحكام الدين بغيا بينهم ، ويلوون الأشياء ؛ لذلك أوضح لنا أن المؤمن حكم في نفسه ، ويحذرنا من الذين يفتون بالبغى ، إن الافتاء يحتاجه الناس من الذي يعلم ، ولذلك جاءت كلمة « يستفتونك » أكثر من مرة في القرآن الكريم ، لأن الذين يطلبون الفتوى هم الذين يحتاجون إلى توضيح لأمر ما ؛ لأنهم مشغولون بقضية الإيمان ، ولذلك فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحذرنا من الذين يحاولون إلقاء الفتاوى ، ويحذر كل مؤمن من أن يستمع لكل فتوى . ويقول الحق : « وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ » . إذن فمن هو الذي يكفر بآيات اللّه ؟ وفي أي مجال ؟ إن الكفر بآيات اللّه هنا محدد في الاختلاف ، وفي البغى بينهم ، أي طلب الاستعلاء بغير حق ، وسمى الحق كل ذلك « كفرا » والمراد منه هنا التنبيه لنا ألا نستر أحكام اللّه بالاختلاف أو البغى ، وجاء التحذير في تذييل الآية بقوله : « فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ » . فإياك أن تستطيل أمر الجزاء وتقول : سأستمتع بنتيجة البغى والاختلاف لخدمة من يهمهم أمر الاختلاف ، ويهمهم أمر البغى ، لأنك تريد أن تتعجل أشياء تظن أنها نافعة لك ، لكن ها هو ذا الحق سبحانه يحذرك أن تستبطىء حسابه ، لماذا ؟ لأنه من الجائز أن يأتي لك الحساب من اللّه في الدنيا ،
--> ( 1 ) رواه أحمد .