محمد متولي الشعراوي
1935
تفسير الشعراوى
إذن فقوله : « لتبيننه » يعنى لتبينن أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما هو موجود عندكم دون تغيير أو تحريف ، وعندما يبينون أمر الرسول بأوصافه ونعوته فهم يبينون ما جاء حقا في الكتاب الذي جاءهم من عند اللّه . وهكذا نجد أن المعاني تلتقى ، فإن بينوا الكتاب الذي جاء من عند اللّه ، فالكتاب الذي جاء من عند اللّه فيه نعت محمد ، وهكذا نجد أن معنى تبيين الكتاب ، وتبيين نعت رسول اللّه بالكتاب أمران ملتقيان . « لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ » يقال : نبذت الشئ أي طرحته بقوة ، وذلك دليل على الكراهية ؛ لأن الذي يكره شيئا يحب أن يقصر أمد وجوده ، ومثال ذلك : لنفترض أن واحدا أعطى لآخر حاجة ثم وجدها جمرة تلسعه ، ماذا يفعل ؟ هو يلا شعور يلقيها بعيدا . والنبذ له جهات ، ينبذه يمينه ، ينبذه أمامه ، ينبذه شماله ، أما إذا نبذه خلفه ، فهذا دليل على أنه ينبذه نبذة لا التفات إليها أبدا ، انظر التعبير القرآني « فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ » . إن النبذ وحده دليل الكراهية لوجود الشئ الذي يبغضه ، إمعان في الكراهية والبغض ، فلو رمى إنسان شيئا أمامه فقد يحن له عندما يراه أو يتذكره ، لكن إن رماه وراء ظهره فهذا دليل النبذ والكراهية تماما ، ولذلك يقولون : لا تجعلن حاجتي بظهر منك ، يعنى لا تجعل أمرا أريده منك وراء ظهرك ، والحق يقول : « فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ » أي أنهم جماعة و « ظهور » جمع « ظهر » ، كأن كل واحد منهم نبذه وراء ظهره . وكأن هناك إجماعا على هذه الحكاية ، وكأنهم اتفقوا على الضلال ، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون . والمشترى هنا هو الثمن ، والثمن يشترى به ، ولندقق النظر في التعبير القرآني ، فهناك واحد يشترى هذا الأمر بأكلة ، وآخر يشترى هذه الحكاية بحلّة أو لباس ، وهناك من يشتريها بحاجة وينتهى ، إنما هم يقولون : نريد نقودا ونشترى بها ما نحب ، هذا معنى « وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً » . ويعلق الحق على ما يشترونه قائلا : « فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ » لماذا ؟ لأنك قد تظن أن بالمال - وهو الثمن - تستطيع أن تشترى به كل شئ ، ولكن النقود لا تنفع الإنسان كما تنفعه الحاجة المباشرة ؛ لأننا قلنا سابقا : هب أن إنسانا في مكان صحراوى ومعه