محمد متولي الشعراوي
1932
تفسير الشعراوى
ولكن قوله : « وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً » فهذا تحديد لغريم لك . فساعة ترى هذا الغريم فهو يهيج فيك كوامن الانتقام . فأوضح الحق : إياك أن تمكنهم من أن يجعلوك تنفعل ، وأجّل عملية الغضب ، ولا تجعل كل أمر يستخفّك . بل كن هادئا ، وإياك أن تستخفّ إلا وقت أن تتيقن أنك ستنتصر ، ولذلك قال : « وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » . واتقوا مثل « اتَّقُوا اللَّهَ » * أي اتقوا صفات الجلال وذلك بأن تضع بينك وبين ما يغضب اللّه وقاية . عن أسامة بن زيد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة ببنى الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مرّ على مجلس فيه عبد اللّه بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم ابن أبىّ ، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان وأهل الكتاب اليهود والمسلمين وفي المجلس عبد اللّه بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمّر عبد اللّه بن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا ، فسلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم وقف فنزل ودعاهم إلى اللّه عز وجل وقرأ عليهم القرآن فقال عبد اللّه بن أبي : أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا في مجالسنا ، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه ، فقال عبد اللّه بن رواحة رضى اللّه عنه : بلى يا رسول اللّه فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك ، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون ، فلم يزل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخفضهم حتى سكتوا ، ثم ركب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا سعد » ألم تسمع إلى ما قاله أبو حباب » ؟ يريد عبد اللّه بن أبي ، قال : كذا وكذا فقال سعد : يا رسول اللّه اعف عنه واصفح فو الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك اللّه بالحق الذي نزل عليك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما أبى اللّه ذلك بالحق الذي أعطاك اللّه شرق بذلك ، فذلك الذي فعل به ما رأيت . فعفا عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » .
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحة عند تفسير هذه الآية .