محمد متولي الشعراوي
1363
تفسير الشعراوى
إن الواحد من هؤلاء يدعى لنفسه التحضر ، ويعطى من الفتاوى ما يناقض الذي أنزله اللّه ، ويدعى أنه يأخذ الدين بروح العصر ، ويدعى لنفسه عدم الجمود ، ويذهب إلى حد اتهام المتمسكين بدينهم بأنهم متخلفون ، والهدف الذي يختبىء في صدر مثل هذا الإنسان هو الاستعلاء في قومه بغير الحق ، ويجب أن نفهم أن كل خلاف بين أهل دين واحد ، أو بين دين ودين ، منبعه قول الحق : « بَغْياً بَيْنَهُمْ » . وهذا يعنى اتباع البعض للهوى النابع من بينهم ولم ينزله اللّه . لماذا ؟ لأن اللّه سبحانه وتعالى إمّا أن ينزل حكما محكما لا رأى فيه لأحد ، ولا يستطيع أحد أن ينقضه ، وإما أن ينزل اللّه حكما قابلا للفهم والاجتهاد . ولم يجعل اللّه الأحكام كلها من لون واحد ، إنما جعل الأحكام على لونين ، وذلك حتى يحترم الإنسان ما وهبه الخالق له من عقل ، ويجعل له مهمة ، فيأتي بقضية ويبحثها ويرجح سببا على سبب . وفي ذلك استخدام من الإنسان لعقله ، إنها رحمة من اللّه حتى لا يجمد العقل الإنسانى . إذن فإذا رأيت أي خلاف بين رجال دين أو بين دين ودين فاعلم أن القول الفصل في هذا الأمر هو ما عبر عنه القرآن : « بَغْياً بَيْنَهُمْ » فمن البغى يهب الهوى الذي تنشأ منه الأعاصير ، إن من يحب الاستعلاء بغير الحق هو الذي يحاول البغى فيدعى لنفسه أنه أرقى في الفكر ، أو يستعلى عند من يملكون له أمرا ، أو يستعلى عندما يوافق حاكما في رأى من الآراء ، ويبرر للحاكم حكما من الأحكام . إن كلمة « بَغْياً بَيْنَهُمْ » يدخل في نطاقها كل موجات الخروج عن منهج اللّه ، والتي نراها في الكون ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد أعطانا المناعة ضد الأمراض النفسية الناشئة عن البغى ، مثلما يعطى المعاصرون المصل ضد أمراض البدن التي تفتك بالإنسان ، وحتى لا تفاجئنا أمراض البغى ، نجد الرسول يعطينا المناعة فيقول لنا صلّى اللّه عليه وسلّم : ( البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس . ) « 1 » . ويحذرنا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك كما في الحديث التالي :
--> ( 1 ) رواه البخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمذي .