محمد متولي الشعراوي

1928

تفسير الشعراوى

والمتعة في الدنيا على قدر حظ الإنسان في المتع ، فهي على قدر إمكاناته . فإذا نظرنا إلى الدنيا بهذا المعيار فإن متاعها يعتبر قليلا ، ولهذا لا يصح ولا يستقيم أن يغتر الإنسان بهذه المتعة متذكرا قول اللّه : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) ( سورة العلق ) فالغرور إذن أن تلهيك متعة قصيرة الأجل عن متعة عالية لا أمد لانتهائها ، فحتى لا يغتر عائش في الدنيا فيلهو بقليلها عن كثير عند اللّه في الآخرة يجب أن يقارن متعة أجلها محدود وإن طال زمانها بمتعة لا أمد لانتهائها ، متعة على قدر إمكاناتك ومتعة على قدر سعة فضل اللّه ؛ لذلك كانت الحياة الدنيا متاع غرور ممن غرّ بالتافه القليل عن العظيم الجليل . واللّه لم يظلم الدنيا فوصفها أنها متاع ، ولكن نبهنا إلى أنها ليست المتاع الذي يغترّ به فيلهى عن متاع أبقى ، إنه الخلود . وبعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله ولأتباع رسوله قضية تنشىء فيهم وتؤكد لهم أن الإيمان وحده خير جزاء للمؤمن ، وإن لم يتأت له في الدنيا شئ من النعيم ، ولذلك أراد أن يوطنهم على أن الذين يدخلون الإيمان ، لا يوطّنون أنفسهم على أن الإيمان دائما منتصر ، فلو كان دائما منتصرا لوطّن كل واحد نفسه عليه ورضيه لأنه يضمن له حياة مطمئنة ؛ لذلك كان لا بد أن يوضح لهم : أن هناك ابتلاءات . فالقضية الإيمانية أن تبتلوا ، وموقع البلاء في نفوسكم أو في أموالكم ، فقال : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 186 )