محمد متولي الشعراوي

1929

تفسير الشعراوى

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 186 ) والبلاء في المال بماذا ؟ بأن تأتى آفة تأكله ، وإن وجد يكون فيه بلاء من لون آخر ، وهي اختبارك هل تنفق هذا المال في مصارف الخير أو لا تعطيه لمحتاج ، فمرة يكون الابتلاء في المال بالإفناء ، ومرة في وجود المال ومراقبة كيفية تصرفك فيه ، والحق في هذه الآية قدم المال على النفس ؛ لأن البلاء في النفس يكون بالقتل ، أو بالجرح ، أو بالمرض . فإن كان القتل فليس كل واحد سيقتل ، إنما كل واحد سيأتيه بلاء في ماله . « وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً » هما إذن معسكران للكفر : معسكر أهل الكتاب ، ومعسكر المشركين . هذان المعسكران هما اللذان كانا يعاندان الإسلام ، والأذى الكثير تمثل في محاولة إيذاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأذى الاستهزاء بالمؤمنين ، وأهل الكفر والشرك يقولون للمؤمنين ما يكرهون ، فوطّنوا العزم أيها المسلمون أن تستقبلوا ذلك منهم ومن ابتلاءات السماء بالقبول والرضا . ويخطئ الناس ويظنون أن الابتلاء في ذاته شرّ ، لا . إن الابتلاء مجرد اختبار ، والاختبار عرضة أن تنجح فيه وأن ترسب ، فإذا قال اللّه : « لتبلون » ، أي سأختبركم - وللّه المثل الأعلى - كما يقول المدرس للتلميذ : سأمتحنك « فنبتليك » يعنى نختبرك في الامتحان ، فهل معنى ذلك أن الابتلاء شرّ أو خير ؟ . إنه شرّ على من لم يتقن التصرف . فالذي ينجح في البلاء في المال يقول : كله فائت ، وقلل اللّه مسئوليتى ، لأنه قد يكون عندي مال ولا أحسن أداءه في مواقعه الشرعية ، فيكون المال علىّ فتنة . فاللّه قد أخذ منى المال كي لا يدخلني النار ، ولذلك قال في سورة « الفجر » : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 )