محمد متولي الشعراوي
1927
تفسير الشعراوى
الحشرات عشقت مصرعها ، إنها قد جاءت إلى النور ولكن النار أحرقتها ، كذلك الإنسان العاصي يعشق مصرعه ؛ لأنه لا يعرف أن هذه الشهوة ستدخله النار . « فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ » أي أن النار لها جاذبية مثل جاذبية المعصية عندما تأخذ الإنسان ، ومجرد الزحزحة عن النار ، حتى وإن وقف بينهما لا في النار ولا في الجنة فهذا حسن ، فما بالك إن زحزح عن النار وأدخل الجنة ؟ لقد زال منه عطب وأعطى صالحا . وهذه حاجة حسنة ، وهذا هو السبب في أن النار مضروب على متنها الصراط الذي سنمر عليه ، لماذا ؟ حتى يرى المؤمن النار . . وهو ماش على الصراط التي لو لم يكن مؤمنا لنزل فيها ، فيقول : الحمد للّه الذي نجاني من تلك النار . « فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ » والفوز هو النجاة مما تكره ، ولقاء ما تحب ، مجرد النجاة مما تكره نعمة ، وأن تذهب بعد النجاة مما تكره إلى نعمة ، فهذا فوز . ونلحظ في « زحزح » أن أحدا غيره قد زحزحه . نعم لأنّ اللّه تكرّم عليه أولا في حياته بفيض الإيمان وهو الذي زحزحه عن النار أيضا . ويذيل الحق الآية بقوله تعالى : « وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ » . وعندما يصف الحق سبحانه الحياة التي نعرفها بأنها « دنيا » ففي ذلك ما يشير إلى أن هناك حياة توصف بأنها « غير دنيا » وغير الدنيا هي « العليا » ، ولذلك يقول الحق في آية أخرى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( من الآية 64 سورة العنكبوت ) أي هي الحياة التي تستحق أن تسمّى حياة ؛ لأن الدنيا لا يقاس زمانها ببدايتها إلى قيام الساعة ، لأن تلك الحياة بالنسبة للكون كله ، ولكن لكل فرد في الحياة دنيا ليس عمرها كذلك ، وإنما دنيا كل فرد هي مقدار حياته فيها . ومقدار حياته فيها لا يعلم أهو لحظة أم يوم أم شهر أم قرن . وقصارى الأمر أنها محدودة حدا خاصا لكل عمر ، وحدا عاما لكل الأعمار .