محمد متولي الشعراوي

1362

تفسير الشعراوى

إلى أن يعرف . وماذا يكون الأمر حين تكون القضية غير مجزوم بها ، وتكون نسبة عدم الجزم ، مساوية للجزم ؟ هنا نقول : إن هذا الأمر هو الشك ، وإن رجح أمر الجزم على عدم الجزم فهذا هو الظن ، وإن رجح عدم الجزم يكون ذلك هو الوهم . إذن فوسائل إدراك القضايا هي كالآتى : أولا : علم . ثانيا : تقليد . ثالثا : جهل . رابعا : شك . خامسا : ظن . سادسا : وهم . والعلم هو أعلى المستويات في إدراك القضايا . ولذلك نجد أن الحق يحدد لنا على ماذا اختلف الذين أوتوا الكتاب ، لقد اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم . ولم يقل الحق : إنهم اختلفوا بعد ما جاءهم التقليد أو الظن ، أو الجهل أو الشك ، إنما قال الحق : إنهم قد اختلفوا من بعد ما جاءهم الاستيفاء الكامل ، وهو العلم . وما دام هناك أمر قد جاء من القائم بالقسط والإله الواحد ، فالمسألة القادمة منه وهي الحق قد وصلت إلى مرتبة العلم . إذن ، ففيم الاختلاف ؟ لابد أن أمرا ما قد جدّ . والذي يجدّ إنما هو قادم من الأغيار ، وهي الأهواء ، ولذلك يحدد لنا الحق هذا الأمر بقوله : « بَغْياً بَيْنَهُمْ » . ما البغى ؟ البغى هو طلب الاستعلاء بغير حق . إذن فطلب الاستعلاء ليس ممقوتا في ذاته ؛ لأن طلب الاستعلاء هو قضية الطموح في الكون . وأن يطلب إنسان الرفعة فيجد ويجتهد ، ويبذل العرق ليصل إلى مكانة علمية أو غيرها ، فهذا حق طبيعي ، ونحن نعرف أن العالم قد ارتقى بالطموحات الإنسانية ، إن العالم لو اكتفى وثبت عند الذي وصل إليه في جيل ما ، فإن العالم يحكم على نفسه بالجمود . ولكن الناس طورت في العالم الذي تحياه بجهد بذله البعض منهم في قضايا نافعة ، ثم حاولوا أن يرتقوا بها ونالوا حقهم من التقدير ، وارتفعوا بالعلم بجهد حقيقي بذلوه ، وبدراسة لما بذله السابقون عليهم . إذن فطلب الاستعلاء في حد ذاته غير ممقوت ، بل محمود ما دام قائما على الجهد . لكن أن يطلب الإنسان الاستعلاء بغير حق ، فهذا هو البغى . لقد أثبت اللّه لنا في هذه الآية ، أن كل خلاف بين رجال دين ، أو بين دين ودين ، إنما مرجعه إلى نشوء البغى ، ونشوء البغى هو طلب رجال دين الاستعلاء بغير حق . ومظاهر طلب الاستعلاء بغير حق هو إعطاء الفتاوى التي توافق أمزجة القوم ، وتخالف ما أنزله الحق .