محمد متولي الشعراوي

1919

تفسير الشعراوى

الخاتمة ، فهم طلبوا أن تكون المعجزة بالمحسّات حتى يصنعوا لأنفسهم شبه عذر في أنهم لم يؤمنوا ، فقالوا ما أورده القرآن : « الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا » . . إلخ . وعلمنا الحق في هذه الآية أن القربان تأكله النار ، ومن هذا نستنبط كيف تقبل اللّه قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل ، لكي نفهم أن القرآن لا يوجد به أمر مكرر . والحق سبحانه يرينا ردوده الإلهية المقنعة الممتعة : « قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ . . » إلخ الآية . لقد جاءكم رسل قبل رسول اللّه بالقربان وأكلته النار ومع ذلك كفرتم . فلو كان كلامكم أيها اليهود صحيحا ، لكنتم آمنتم بالرسل الذين جاءوكم بالقربان الذي أكلته النار . وهكذا يكشف لنا الحق أنهم يكذبون على أنفسهم ويكذبون على رسول اللّه ، وأنها مجرد « مماحكات » ولجاج وتماد في المنازعة والخصومة . والحق سبحانه يأمر رسوله أن يسأل : « فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » ؟ هو سبحانه يريد أن يضع لنا قضية توضح أن عهد المعجزات الحسّية وحدها قد انتهى ، ورشد الإنسانية وبلوغ العقل مرتبة الكمال قد بدأ ؛ لذلك أتى سبحانه بآية عقلية لتظلّ مع المنهج إلى أن تقوم الساعة . ولو كانت الآية حسّية لاقتصرت على المعاصر الذي شهدها وتركت من يأتي بعده بغير معجزة ولا برهان . أما مجىء المعجزة عقلية فيستطيع أي واحد مؤمن في عصرنا أن يقول : سيدنا محمد رسول اللّه وتلك معجزته . ولكن لو كانت المعجزة حسّية وكانت قربانا تأكله النار ، فما الذي يصير إليه المؤمن ويستند إليه من بعد ذلك العصر ؟ إن الحق يريد أن يعلمنا أن الذي يأتي بالآيات هو سبحانه ، وسبحانه لا يأتي بالآيات على وفق أمزجة البشر ، ولكنه يأتي بالآيات التي تثبت الدليل ؛ لذلك فليس للبشر أن يقترحوا الآية . هو سبحانه الذي يأتي بالآية ، وفيها الدليل . لماذا ؟