محمد متولي الشعراوي
1890
تفسير الشعراوى
وهل معنى ذلك أن الإيمان كان موجودا لديهم ؟ نعم كان عندهم الإيمان ؛ لأن الإيمان القديم هو إيمان الفطرة وإيمان العهد القديم الذي أخذه اللّه على الذّر قبل أن توجد في الذّر الأغيار والأهواء : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) ( سورة الأعراف ) أو على الأقل كان الإيمان والكفر في متناولهم ؛ بانضباط قانون الاختيار في النفس البشرية ، لكنهم أخذوا الكفر بدل الإيمان . والبدلية واضحة ، فقد استبدلوا الكفر بالإيمان ، فالباء - كما قلت - دخلت على المتروك . لقد تركوا الإيمان القديم وهو إيمان الذّر ، أو تركوا إيمان الفطرة فالحديث الشريف يقول : « كل مولود يولد على الفطرت فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجّسانه » « 1 » . لقد انسلوا من الإيمان ، ودفعوه ثمنا للكفر ، فعندما يأخذ واحد الكفر ، فهو قد أخذ الكفر بدلا من الإيمان وهم « لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ » لماذا ؟ لأننا إن افترضنا أن الدنيا كلها قد آمنت فهذا لن يفيد اللّه في شئ . والحديث القدسي يقول : قال اللّه تعالى : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعمونى أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسونى أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّى فتضرونى ولن تبلغوا نفعي فتنفعونى ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على
--> ( 1 ) : رواه البخاري .