محمد متولي الشعراوي

1854

تفسير الشعراوى

هذه الحكاية ، وهكذا منّ اللّه على المؤمنين . إذ بعث فيهم رسولا . « مِنْ أَنْفُسِهِمْ » ، إن أخذتها على أساس أنها قبيلة محدودة ومعروفة فهي منّة ، وإن أخذتها على أنه من جنس عربى فيكون اللسان واحدا فهي منّة ، وإن أخذتها من الجنس العام وهو الإنسان فهي منّة أيضا . وهل اعتبار معنى واحد من المعاني ينقض المعاني الأخرى أو تأتى كلها في سلك واحد ؟ إنها معان تأتى كلها في سلك واحد ؛ لأن المتكلم هو اللّه ، وما دام المتكلم هو اللّه فيكون عطاء اللفظ أكثر من عطاء ألفاظ الخلق ، « لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ » ، وهناك قراءة - وإن كانت قراءة شاذة - تقول : « مِنْ أَنْفُسِهِمْ » ( بفتح الفاء ) أي من أشرفهم لأنه من بني هاشم وهم أفضل قريش ، وقريش أفضل العرب . وماذا يعمل الرسول ؟ يفهم من قوله : « رسولا » أنه لا يأتي بشئ من عنده ، بل هو - مع هذه المنزلة الحسنة بخلقه الجميل وماضيه الناصع - هو مع هذا رسول وليس له في الأمر شئ ، إذن فمرسله خير منه ، فلا تتنبه إلى هذا الرجل العظيم فحسب بل يجب عليك أن تسأل : من أين جاء ؟ لابد أن تلتفت إلى أن الذي بعثه أعظم منه . « رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ » ، وكلمة « يتلو » يعنى يقرأ لأن الكلمة تتلو الكلمة ، فالذي يقرأ أي ينطق كلمة بعد كلمة ، كلمة تالية بعد أخرى « يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ » وكلمة « الآيات » - كما نعرف - تستعمل للأمور العجيبة ؛ اللافتة للنظر ، تقول مثلا : فلان آية في الحسن . أي حسنه لافت للنظر ، وتقول : فلان آية في الذكاء ، صحيح أن هناك أذكياء كثيرين ، لكنه آية في الذكاء . . أي أن هذا الإنسان أمره عجيب في الذكاء ، إذن فكلمة « آية » معناها : الأمر العجيب ، وهو الذي يقف الإنسان عنده وقفة طويلة ليتأمل في عجائبه . والآيات نوعان : آيات منظورة في الكون مثل قول الحق : وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ