محمد متولي الشعراوي
1852
تفسير الشعراوى
منهم فقد عمل فيهم منة وقدم لهم ومنحهم جميلا كبيرا وأنعم عليهم نعمة ، « إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا » . فإذا كان مطلق بعث رسول كي يهدى الناس إلى منهج اللّه يكون نعمة فماذا إذا كان الرسول من أنفسهم ؟ إن هذه تكون نعمة أخرى لأنه ما دام من أنفسهم ومن رهطهم ومن جماعتهم ، هو معروف نسبا وحسبا . ومعروف أمانة ، فلا يخون ، ومعروف صدقا فلا يكذب ، كل هذه « منة » ولم يتعب أحدا في أن يبحث وراءه : أكذب قبل ذلك حتى نعتبر ذلك كذبا ؟ أخان قبل ذلك حتى نعتبر ذلك خيانة ؟ لا ، هل هو من الناس المدّعين الذين يريدون أن يقيموا ضوضاء من حولهم ؟ لا . بل هو في الحسب والنسب معروف ، جده عبد المطلب سيد البطحاء ولا يوجد واحد من أهله تافها . وعرف الجميع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الأمانة منذ صغره ، إذن فالمقدمات تجعل الناس لا تجهد نفسها في أن تتحرى عنه أصادق هو أم غير صادق ؟ إذن فهو منّة ، ولذلك حينما بعث اللّه سيد الخلق إلى الخلق ؛ كان هناك أناس بمجرد أن قال لهم : إني رسول اللّه ، آمنوا به ، لم يقدم معجزة ولم يقولوا له : ماذا ستقول أو ماذا تعمل ؟ بل بمجرد أن قال : إنه رسول اللّه صدقوه ، فعلى أي حيثية استندوا في التصديق ؟ لقد استندوا على الماضي . لقبتموه أمين القوم في صغر * وما الأمين على قول بمتهم ها هو ذا سيدنا أبو بكر رضى اللّه عنه يقول : إن كان قد قال فقد صدق - إذن فالمقدمات التي يعرفونها عنه كانت هي الحجة في تصديق الرسول ، وخديجة - رضى اللّه عنها - عندما آمنت به ، أقال لها المعجزات والقرآن ؟ لا . بل بمجرد أن قال لها : أنا رسول اللّه . قالت له : صدقت فلابد أن تكون رسولا ، هو نفسه كان يتشكك وهي مؤمنة به ، هو نفسه يتساءل : لعل ذلك يكون كذا ، وذهبت به خديجة - رضى اللّه عنها - إلى ورقة بن نوفل لتطمئنه على الرغم من أنها كانت قد توصلت إلى الحكم في القضية التي سألت عنها ورقة بن نوفل وأوضحت لرسول اللّه أنّ ما تقوله لا يمكن أن يوقعك في بلية أو خزى أو ذلّة ؛ لأن صفاتك جاءت كمقدمات لهذه النتيجة ، وهي أنك رسول كريم « إنك لتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتعين على نوائب