محمد متولي الشعراوي

1851

تفسير الشعراوى

« لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ » وما هي المنة ؟ المن : الأصل فيه أنه القطع ، لكن حين نسمعها نجدها تستعمل في أشياء متقابلة ، فمثلا : المن هو العطاء بلا مقابل ، والمن هو : تكدير النعمة بالتحدث بها ، مثل قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 262 ) ( سورة البقرة ) إذن فالمن الذي نحن بصدده هو العطاء بلا مقابل ، ولكن المن قد استعمل في تكدير النعمة بكثرة الكلام فيها ، فقد يقول الإنسان لمن يمن عليه : لا أريد النعمة التي تتكلم عنها دائما ، إذن فالمن استعمل في النعمة وفي تكدير النعمة ، تقول : منّ على فلان إذ أنقذنى من ضيق كنت فيه ، ويقال : فلان ليس فيه منة ، أي ليس فيه قوة ، وكلها تدور في معنى القطع ، فإذا استعمل في النعمة والعطاء نقول : نعم فيها قطع ؛ لأن النعمة جاءت لتقطع الحاجة ، ففيه حاجة ثم جاء عطاء ، والعطاء قطع الحاجة . فاستعملت في معناها . فإذا جاءت نعمة بعد حاجة والحاجة انقطعت بالنعمة فلا بد أن تأتى بفعل بعدها وهو أن تشكر من أنعم عليك ، وخصوصا أنه اللّه ، فالمن يقطع الشكر لأنك إن مننت بالنعمة وأظهرت تفضلك بها على من أسديتها إليه فقد تسببت في أن الآخذ لا يشكرك بل إنه يتضايق من نعمتك وقد يردّها عليك . فإذن : هنا قطع للشكر ، فإن قطعت حاجة محتاج فهذا يسمى « نعمة » وإن فخرت بنعمتك عليه حتى كدرتها فقد قطعت ومنعت شكره لك ، وهذا يسمى « منّا » أي أذى لأنه يؤذى مشاعر وإحساس الآخذ . وإن قطعت مطلقا اختصت باسم « المنّة » ، يقولون : فلان لا منة فيه أي لا قوة عنده تقطع في الأمور ، وهنا يقول : « لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ » و « منّ » هنا بمعنى أعطى نعمة ، والنعمة في الدنيا تعطيك على قدر دنياك ، و « منة » اللّه برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم تعطيني عطاء على قدر الدنيا وعلى امتداد الآخرة ، فتكون هذه منة كبيرة . « لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ » ، و « إذ » يعنى ساعة أي حين بعث فيهم رسولا