محمد متولي الشعراوي

1839

تفسير الشعراوى

« وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » . إنها رحمة طبعت عليها يا رسول اللّه من الحق الذي أرسلك . وبالرحمة لنت لهم وظهر أثر ذلك في إقبالهم عليك وحبهم لك ؛ لأنك لو كنت على نقيض ذلك لما وجدت أحدا حولك . إذن فالسوابق تثبت أن هذه هي طباعك ، وخلقك ، هو الرحمة واللين . وبعد ذلك اعف عنهم ، وقلنا : إن « العفو » هو : محو الذنب محوا تاما وهو يختلف عن كظم الغيظ ؛ لأن كظم الغيظ يعنى أن تكون المسألة موجودة في نفسك أيضا إلا أنك لا تعاقب عليها ؛ لأنك كففت جوارحك وصنت لسانك ، أما المسألة فما زالت في نفسك ، لكن العفو هو أن تمحو المسألة كلها نهائيا ، وتأكيدا لذلك العفو فأنت قد تقول : أنا من ناحيتي عفوت . لا . المسألة لا تتعلق بك وحدك ، لأنك رسول من اللّه ، أنت وراءك إله يغار عليك ، فلا يكفى أن تعفو عنهم . بل لا بد أن تستغفر اللّه لهم أيضا ، فمن الممكن أن يعفو صاحب الذنب ، ولكن ربى ورب صاحب الذنب لا يعفو ، فيوضح الحق : أنت عفوت فهذا من عندك ؛ لكنه يطلب منك أن تستغفر لأجلهم . كي لا يعذبهم اللّه عما بدر منهم نحوك . « فَاعْفُ عَنْهُمْ » هذه خاصة بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . . « وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ » بسبب ما فعلوه ، وترتب عليه ما ترتب من هزيمتكم في « أحد » ، وشجك وجرحك ، ولا تقل : استشرتهم وطاوعتهم في المشورة ، وبعد ذلك حدث ما حدث ، فتكره أن تشاورهم ، لا تقفل هذا الباب برغم ما حدث نتيجة تلك المشورة وأنّها لم تكن في صالح المعركة ، فالعبرة في هذه المشقة هي أن تكون « أحد » معركة التأديب ، ومعركة التهذيب ، ومعركة التمحيص ، إذن فلا ترتّب عليها أن تكره المشورة ، بل عليك أن تشاورهم دائما ، فمادام العفو قد رضيت به نفسك ، وما دمت تستغفر لهم ربك ، واستغفارك ربك قد تستغفره بعيدا عنهم ، وعندما تشاورهم في أي أمر من بعد ذلك فكأن المسألة الأولى انتهت ، وما دامت المسألة الأولى قد انتهت ، فقد استأنفنا صفحة جديدة ، وأخذنا الدرس والعظة التي ستنفعنا في أشياء كثيرة بعد ذلك . ولذلك تجد بعد هذه المعركة أن الأمور سارت سيرها المنتصر دائما ؛ لأن التجربة