محمد متولي الشعراوي

1831

تفسير الشعراوى

تحللا في ناحية ، لكن الذي ليس عنده تحلل لا يقوى عليه الشيطان ، ساعة يأتي الإنسان ويعطى لنفسه شهوة من الشهوات فالشيطان يرقمه ويضع عليه علامة ويقول : هذا ضعيف ، هذا نقدر أن نستزلّه . لكن الذي يراه لا يطاوع نفسه في شئ من التحلل لا يقترب ناحيته أبدا . ولذلك فالنفس هي مطية الشيطان إلى الذنوب ، وفي الحديث الشريف : « إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم » « 1 » وعندما يرى الشيطان واحدا تغلبه نفسه في حاجة فالشيطان يقول : هذا فيه أمل ! وهو الذي يجرى منه مجرى الدم كما سبق في الحديث ، أما الملتزم الذي ساعة تحدثه نفسه بشئ ويأبى فالشيطان يخاف منه ، إذن فالشيطان لا يستزل إلا الضعيف ، ولذلك فالذي يكون ربه على ذكر منه دائما لا يجترئ عليه الشيطان أبدا . إن اللّه - سبحانه - قد سمى الشيطان « الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ » ، إنه يوسوس للناس ، لكنه خنّاس فإذا ذكر اللّه يخنس ، أي يتأخر ويختفى ولكنّه ينفرد بك حين يراك منعزلا عن ربك ، لكن حين تكون مع ربك فهو لا يقدر عليك بل يتوارى ويمتنع عن الوسوسة إذا استعذت عليه باللّه . إذن فقوله : « إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ » يعنى طلب منهم أن يزلوا نتيجة لأنه عرف أنهم فعلوا أشياء أبدوا وأظهروا فيها ضعفهم ، « إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا » . وكلمة « بِبَعْضِ ما كَسَبُوا » . . كأن قول اللّه « وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ » أنّه لم يأخذهم بكل ما كسبوا ؛ لأن ربنا يعفو عن كثير . « إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ » . « عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ » لماذا ؟ عفا عنهم تكريما لمبدأ الإسلام الذي دخلوا فيه بإخلاص ، ولكن نفوسهم ضعفت في شئ ، فيعطيهم عقوبة في هذه ولكنه يعفو عنهم فهذا هو حق الإسلام ، « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ » .

--> ( 1 ) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن أنس .