محمد متولي الشعراوي
1809
تفسير الشعراوى
وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 147 ) فكأن ما حدث نتيجة لذنب تقدم ففطنوا إلى السبب ، كان المفروض أنهم في معركة ، وهذه المعركة أجهدتهم وأنهكتهم ، صحيح أنهم لم يضعفوا ، وكان المفروض أن يقولوا « يا رب انصرنا أولا » لا . بل قالوا : لابد أن نعرف السبب في النكسة الأولى ، السبب في هذه النكسة أن اللّه لم يسلمني إلى نفس إلا لأنى نسيته . « وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا » ، « ربنا » ، وانظر لكلمة النداء في « ربنا » ، كان يمكن أن يقولوا : يا أللّه إنما جاءوا بكلمة « ربنا » لماذا ؟ لأن علاقة العبد بالربوبية هي قبل علاقته بالألوهية ، فالألوهية مكلفة ، فمعنى « إله » أي : معبود ، وما دام معبودا فله تكليف يطاع فيه ، وهذا التكليف يأتي بعد ذلك ، هو سبحانه له ربوبيته في الخلق . قبل أن يكلفهم ، وما دام الرب هو الذي يتولى التربية ، فالأولى أن يقولوا : يا رب ، إذن قولهم : « ربنا » يعنى أنت متولى أمورنا ، أنت الذي تربينا . « رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا » فكأنه لا شئ يصيبنا إلا بذنب من الغفلة ارتكبناه . ونعرف من كلمة « ذنب » أن الذي يفطن إلى معناها لا يفعلها أبدا ، لأن كلمة « ذنب » مأخوذة من مادة « الذنب » . والذّنب سيأتي بعده عقوبة . فاللفظ نفسه يوحى بأن شيئا سيأتي ، وعندما تتذكر عقاب الذنب فأنت لا تفعله . « اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا » لأن كل معصية تكون تجاوزا عما أحلّه اللّه لك ، وزيادة غير مشروعة وإن كانت من نوع ما أحله اللّه ، ولكنها زيادة عن مقومات حياتك ؛ فاللّه شرع لنا الزواج لنأتي بالأولاد ، وعندما نأخذ أكثر من هذا من غير زواج نكون قد أسرفنا ، واللّه أعطانا مالا بقدر حركتنا ، فإن طمعنا في مال غيرنا فقد أسرفنا . « وأسرفت » يعنى أن تأخذ حاجة ليست ضرورية لقوام حياتك . ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول :