محمد متولي الشعراوي

1810

تفسير الشعراوى

قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) ( سورة الزمر ) إنه سبحانه يوضح : أنا حللت لك كذا من النساء فما الذي جعل عينيك تزوغ وتميل إلى غير ما أحله اللّه لك ؟ أنا أحللت لك كسب يدك وإن كنت فقيرا فستأخذ صدقة ، لماذا أسرفت ؟ إذن فكل أمر زائد على الحد المطلوب لبقاء الحياة اسمه « إسراف » « وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا » . لقد بدأوا يدخلون في الحق ، لكنهم في البداية رأوا الباطل ، والباطل هو من أسباب تخلى الحق عن نصرتنا أولا ، لكن عندما يغفر سبحانه الذنب ويغفر الإسراف في الأمر نكون أهلا للمدد وأهلا لتثبيت اللّه . « وَثَبِّتْ أَقْدامَنا » كيف يقول الحق ذلك والمفهوم في المعركة أن الأقدام لا تثبت ؟ المعركة تطلب من المقاتل أن يكون صوالا جوالا متحركا ، إذن فما معنى « وَثَبِّتْ أَقْدامَنا » ؟ إن قول الحق : « وَثَبِّتْ أَقْدامَنا » يعنى لا تجعلنا نفر من أرض المعركة ، ولا نترك أرض المعركة أبدا . ولذلك قلنا : إن الكفار عندما حدث منهم ما حدث لم يظلوا في أرض المعركة ، بل تركوا أرض المعركة وانصرفوا ، وهؤلاء المؤمنون ولو أنهم انهزموا إلا أنهم مكثوا في أرض المعركة مدة ، وكروا وراء أعدائهم وطاردوهم . وقد اهتدى البشر أخيرا إلى هذا المعنى ، ففي فرنسا نيشان يسمونه « نيشان الذبابة » لماذا الذبابة ؟ لأن الذبابة إن طردتها عن مكان لا بد أن تعود إليه ، فكذلك المفروض على القائد - ما دام انسحب من منطقة - أن يوطن نفسه على العودة إليها ، فيعطوه نيشان الذبابة . فقوله : « وَثَبِّتْ أَقْدامَنا » في أي منطقة ؟ وفي أي معركة ؟ علينا ألا نبرح أماكننا ؛ لأننا ساعة أن نبرحها فهذه أول الهزيمة ، وهذا أمر يجرّئ العدو علينا . « وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » . كلمة « وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » هي حيثية ، فماداموا قد قالوا : « وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ » فهم إذن