محمد متولي الشعراوي

1766

تفسير الشعراوى

ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 39 ) ( سورة الدخان ) إن الحق جعل للكون قضايا ثابتة ، فلا شئ يعتدى على شئ آخر أبدا . واختيار الإنسان هو الذي يأتي بمقابل الحق وهو الباطل ، ولذلك يصون اللّه الكون بأن يبين أن الحق يصطدم بالباطل ، والباطل يصطدم بالحق لكن الحق يجئ ويبقى ، والباطل يزهق ويزول ، ويظهر اللّه لنا ذلك أمام أعيننا يقول تعالى : وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) ( سورة الإسراء ) إذن فقوله سبحانه : « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » يعنى : اعتبروا بما سبقكم وانظروا إلى اصطدام الباطل بالحق ، أدام وبقي اصطدام الباطل بالحق ؟ لا ؛ لأن الباطل كان زهوقا . ولذلك نحن نرى أمثلة عملية لذلك لا أقول في مواكب الناس بعضهم مع بعض ، ولكن في موكب الباطل مع حق السماء . وحق السماء يمثله الرسل والمناهج التي جاءت من عند اللّه وكل حق جاء من السماء وجاء من مناهج اللّه قابله قوم مبطلون . لماذا ؟ . لأن السماء دائما لا تتدخل إلا حين يشيع الفساد ، وما دام الفساد يشيع فإن هناك طائفة منتفعة بالفساد ، وهذه الطائفة المنتفعة بالفساد وبالباطل تدافع عنه وبعد ذلك يأتي موكب السماء ليصادم هذا الباطل والفئة المنتصرة للباطل ، فتنشأ معركة ، فقال الحق حينئذ : « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » . قالها الحق لنعرف أن الباطل زهوق ، وأن كل معارك أهل الأرض مع منهج السماء قد انتصر فيها الحق . ولذلك تأتى سورة العنكبوت لتبين لنا ذلك ، بداية من قوله سبحانه : وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 36 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ( 37 ) ( سورة العنكبوت )