محمد متولي الشعراوي

1763

تفسير الشعراوى

إنه سبحانه متفضل على أولا . ومتفضل على أخيرا ، ليدل الحق سبحانه وتعالى على أنك - أيها العبد - حين تعمل الطاعة يعود أثر الطاعة على نفسك ومع ذلك فهو يعطيك أجرا على ما فعلت . وأوضحنا أن هذه الآيات جاءت بين آيات معركة أحد إرشادا واستثمارا للأحداث التي وقعت في أحد ، حتى إذا عاش الإنسان في تصور الأحداث فالأحداث تكون ساخنة ، ويكون التقاط العبرة منها قريبا إلى النفس ؛ لأن لها واقعا يحتّمها ويؤكدها . والحق سبحانه وتعالى يقول من بعد ذلك : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 137 ) أي أنتم لستم بدعا في هذه المسألة . و « خلت » تعنى « مضت » ، أي حصلت واقعا في أزمان سبقت هذا الكلام . وعادة فالأخبار التي يتكلم بها الإنسان مرة تكون خبرا يحتمل الصدق والكذب ، لكن هذه المسألة لا تحتاج إلى صدق أو كذب ؛ لأن الواقع ليس أمرا مستقبلا ، ولكنه أمر قد سبق ، فبمجرد أن يجئ الكلام لا ننتظر واقعا يؤكد صدق الكلام ، لأنّ الواقع قد حدث من قبل ، فيقول سبحانه : « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » . والسنن هي الطرق التي يصرف اللّه بها كونه بما يحقق مصلحة ذلك الكون ؛ ليضمن للإنسان - السيد في هذا الكون - ما يحقق مصلحته ، ومصلحة الإنسان تتمثل في أن يسود الحق في حياة الإنسان المختار كما ساد الحق في الكون المسيّر قبل الإنسان . وقد قلنا إن في هذا الكون تسخيرا : أي لا إرادة له ، لا إرادة للجماد ولا للنبات .