محمد متولي الشعراوي

1762

تفسير الشعراوى

فالجنة الأولى التي ذكرها اللّه إلهابا للعواطف النفسية لتقبل على ما يؤدى لهذه الجنة ، وبعد ذلك ذكر الأوصاف والأصناف وجعل الجنة أجرا . « وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » . والأجر عادة هو ما يأخذه العامل نتيجة العمل . والأجر حين يأخذه العامل نتيجة لعمل يتوقف على تقييم العمل عند صاحب العمل نفسه . فزيادة الأجر ونقصه تقدير من صاحب العمل ، وأيضا تقدير للعامل . فإن طلب أصحاب عمل متعددون عاملا محددا فله أن يطلب زيادة ، وإن لم يطلبه أحد فهو يقبل أول عرض من الأجر نظير أداء العمل . إذن فالمسألة مسألة حاجة من صاحب عمل ، أو حاجة من عامل ، وحين ننظر إلى الصفقة في الآخرة نجد أنها بين إله لا يحتاج إلى عملك . ومع أنه لا يحتاج إلى عملك جعل لعملك أجرا . ما هذه المسألة ؟ . هو ليس محتاجا إلى عملك ، ويعطيك أجرا على عملك ويقول لك : إن هذا الأجر هو الحد الأدنى ، لكن لي أنا أن أضاعف هذا الأجر ، ولى أن أتفضل عليك بما فوق الأجر . فكم مرحلة إذن ؟ إنها ثلاث مراحل ، مع أنه سبحانه لا يستفيد من هذا العمل إلا أنه وضع ثلاث مراتب للأجر . إذن فالحاجة من جهة واحدة هي جهتك أنت أيها العبد ، أنت تحتاج إلى خالقك وهو لا يحتاج إليك ، ومع ذلك يعطيك الإله الحق الأجر لا على قدر العمل فقط ، ولكن فوق ذلك بكثير . إن الذي تعمل له يوما من العباد قد يعطيك - على سبيل المثال - ما يكفيك قوت يوم ، أو قوت يوم ونصف يوم . ولكنك حين تأخذ الأجر من يد اللّه فإنه يعطيك أجرا لا تنتهى مدة إنفاقه ؛ فهو القائل : « وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ » . هذا هو الأجر الذي يقال فيه : نعم هذا الأجر ؛ لأنه أجر لا يتناسب مع مجهودي ، بل يفوق كل ما بذلت من جهد وقادم من جهة لا تحتاج إلى هذا المجهود .