محمد متولي الشعراوي

1761

تفسير الشعراوى

لأن النعمة حين توجد بسرّاء تحتاج إلى شكر لهذه النعمة ، والنعمة حين تنفق في الضراء تقتضى ضراعة إلى اللّه ليزحزح عن المنفق آثار النقمة والضراء . إذن فهم ينفقون سواء أكانوا في عسر ، أم كانوا في يسر . إن كثيرا من الناس ينسيهم اليسر أن اللّه أنعم عليهم ويظنون أن النعمة قد جاءت عن علم منهم . وبعض الناس تلهيهم النعمة عن أن يحسوا بآلام الغير ويشغلوا بآلام أنفسهم . لكن المؤمنين لا ينسون ربهم أبدا . وأمره بالإنفاق في العسر واليسر . ولذلك قالوا : فلان لا يقبض يده في يوم العرس ولا في يوم الحبس . وتتتابع أوصاف المتقين : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) ( سورة آل عمران ) وفي ذلك لون من تطمين المؤمن على أغيار نفسه ، وعلى أنه عندما يستجيب مرة لنزغات الشيطان ، فهذه لا تخرجه من حظيرة التقوى ، لأن اللّه جعل ذلك من أوصاف المتقين . فالفاحشة التي تكون من نزغ الشيطان وذكر العباد للّه بعدها ، واستغفارهم مع الإصرار على عدم العودة ، لا تخرجهم أبدا عن وصفهم بأنهم متقون . لأن الحق هو الغفور : « وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ » . إنهم قد أخبروا بذلك ، فلم يجرم الحق أحدا إلا بنص ، ولم يعاقب إلا بجريمة . وقول الحق سبحانه : « أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ » هو إشارة لكل ما سبق . ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل للعالمين بهذا العمل من التقوى قوسين : القوس الأول الذي ابتدأ به هو قوله الحق : « وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ » . والقوس الثاني هو الذي أنهى الأمر : « أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ » .